أنت الآن تقرأ في قسم: أديان, شاطئ الإستنارة

أوشو: أبعد من الاستنارة، فناء الخليقة والولادة على أعلى المستويات الكونية

أوشو: أبعد من الاستنارة، فناء الخليقة والولادة على أعلى المستويات الكونية

bench

أبعدُ من الاستنارةِ هو الأبعَدُ من البُعدِ نفْسِه. الإستنارةُ هي آخر مَن يستضيف… هي الدّار الأخير.

osho1053

أبعدُ من الاستنارة تتهاوى الحدودُ وتنهار، تسقُطُ التجاربُ والاختبارات وتهوي لتختفيَ في أوديةٍ سحيقة ليس لها قرار. في الإستنارةِ تفتحُ أسمى وأعلى وأجَلُّ التجارب الروحية بتلاتها ليفوحَ أريجُ عطرها، لأنّ الاستنارة أعلى وأسمى القِمَم التي قد تطالها تجارب اختبار السرّ المقدّس المكنون، سرّ الجمال المُطْلَق وسحر الجلال الأبديّ المهيب مُكَوِّن جوهر النّعيم، الذي لا يولد ولا يموت. هكذا تبقى الاستنارةُ تجربة حتى وإن كانت أسمى التجارب ومُنتهى اختبار الألوهية الذي ما بعده اختبار.

أبعدُ من الاستنارةِ لا تجارب على الإطلاق. كيف للتجارب أن تكون حاضِرة والمُختَبِرُ أضحى في غياب؟ المُختبر الشّاهد صاحب التجربة تحَلَّل وذاب. لا تكتفي الاستنارة بكَوْنِها أسمى التجارب وأجلّ الاختبارات وأقدسها وأبعدها، فهي أيضاً المنتهى الذي يتناهى ويتَحَدَّدُ به كيانك. الاستنارةُ هي بلوغك أعلى قمة وأعمق مساحة وأبعد حضورٍ في كيانك. الإستنارةُ تُعَرِّفُ كيانك لذا بتجاوزها يتلاشى كيانك ويتمُّ تجاوُزَه.

أبعدُ من الاستنارةِ لا وجود سوى للفناء المهيب، للا-شيء الجليل، للحضور الخالي من الحضور. التجاوز نفسه ينتهي ويفنى أبعد من الاستنارة. ويتمُّ توديع التجربة الشاهدة والشاهِد والاستنارة، إلى الأبد. ما أنت سوى جزء من لا-شيءٍ، من فناءٍ مَهولٍ أبديته لا يطالها منتهى ولا نهاية لها. هذا اللا-شيء الجليل، هذا الفناء المَهيب، هذا الغياب البديع هو الرّحم الأصليّ الأصيل، هو النّشأة، هو المنشأ الذي بُعِثَ الوجود بأكمله من رحمه. وهو الكهف الذي يأوي إليه الوجود بكلّ ما فيه فيختفي ويسترخي ويرتاح.

بين العلْم وهذا السرّ لقاء. لا بدّ وأن يكون بينهما ما يُوازي هكذا لقاء. إنه توَصُّل العلماء في هذا القرن لاستنتاجٍ مفادة أنّ النجوم تختفي فجأةً دون سابقِ إنذار… ليست النجوم بالشّيء اليسير الصّغير. النجوم حجمٌ مَهول. شمسُنا نَجم لكن حجمها متوسّط يبدو بالحجم الكبير إذا ما تمّت مقارنته بالأرض… بالمقارنة مع غيره من النجوم فهو ذات حجم ضئيل. توجدُ نجومٌ يفوق حجمها حجم الشمس بآلاف المرات.

تختفي النجوم فجأة دون سابقِ إنذار ودون أن تخلِّفُ ورائها أيّة آثار تدلُّ السّائل عن مكان الرّحيل والاختفاء. رحلَ النّجمُ ودخل قلب اللا-شيء، قلب الغياب ورَحْمه. وهذا حدثٌ يتكرّرُ باستمرار. عشرون عام هو الوقت الذي استُغرِقَ لأجل اكتشاف ظاهرة الثقوب السوداء. الثقوب السوداء لا تُرى ولكنّ الجاذبية التي تمتلكها مهولة. هذه الثقوبُ قادرة على ابتلاعِ أكبر النّجوم إن اقتربَ أحدُها من قطْرِ جاذبيتها. يختفي النّجم ما إن يبتلعه ثقبٌ أسود. إنه مُطلَق الموت وذروته.

بدأ العلماء بعد ترسيخ نظرية الثقوب السوداء بالتفكير بحتميّةِ وجود ثقوبٍ بيضاء. لم يُطرح سؤالٌ عن مصدر انبعاث النجوم قبلاً.

لا أحد يطرحُ سؤالاً بشأن الولادة… من أين تأتي أرواح الأطفال. الجميع سلَّمَ لحتميّة الولادة، إلّا أن الجميع يهرب من الموت ويحاولُ تحاشيه فالخوف من الموت عظيم.

لا وجود لفلسفةٍ واحدة في تاريخ الإنسان برُمّته تطرحُ أسئلةً تفكّر بالمصدر الذي تُبعَثُ الأطفال منه. فلسفاتٌ وفلسفات تتحدث عن الموت والأموات، عن المكان الذي تختفي الناس فيه وإليه تأوي بعد الرحيل، عن ما سوف يحدث بعد الموت.

ثلاثةُ قرونٍ على الأغلب، وعى الإنسان ولادة النجوم اليومية… نجومٌ ضخمةٌ مَهولة. إلا أنّ أحداً لم يطرح سؤالاً عن مصدر ولادة النجوم وانبعاثها. لكن بعد معرفة الإنسان بسرّ الثقوب السوداء التي تأوي النجوم إليها مع ميعاد الرحيل فتختفي، بات السؤال عن مصدر انبعاثها حتمياً. فإذا كانت الثقوب السوداء قادرة على المُضيّ بالنجوم قدُماً إلى قلب اللا-شيء، إلى كهف الفناء المهيب، فلا بدّ من وجود ظاهرة كالثقوب البيضاء حيث تُبعَثُ النجوم من قلب الغياب الجليل.

وجودُ ثقوب في الوجود تودي بالموجودات إلى غياب وجودها، يقتضي وجودَ ثقوبٍ تتجسّدُ الموجودات عبرها وتُبعَثُ من الغياب إلى الحضور. ولكنّ العلماء لم يسلكوا هذا الدرب بعد.

رأيي هو أنّ الثقوب السوداء ما هي إلا باب. الباب أسوَدٌ من جهة… ثقبٌ أسود تعبُرُ الموجودات عبره لتأويَ إلى اللا-شيء المهيب. والبابُ ممرٌّ ومَعبَرٌ ونَفَقٌ من الجهة الأخرى… ثقبٌ أبيضٌ تُبعَثُ الموجوداتُ عبره من جديد. هو الرّحم ذاته.

أبعد من الاستنارة تدخلُ أنتَ محراب اللا-شيء المهيب.

تختفي أسمى التجارب وتتنحّى … يختفي مَن يختبر ويتنحّى.

ولا يبقى سوى الغياب الحاضر الخالي من الحضور. لا يبقى إلّا الصّمت المَهيب.

عبورك أبعد من الاستنارة ودخولك محراب اللا-شيء الجليل يُهديكَ إمكانية أن تُبعَثَ إلى الشّكلِ من قلبِ أقداسِ الفناء الخاشع المهيب… فتُبعَثُ نوراً منيراً على مستوىً كونيٍّ مختلف أشدّ الاختلاف… في بُعْدٍ كونيّ جديدٍ تماماً ليس كغيره من الأبعاد. لا موجود يختفي من الوجود. لا شيء اسمه عدَم في الوجود. تدخلُ الموجودات حالةً من السُّباتِ والرُّقاد القصير أو الطّويل، حالة من النّوم العميق، إلّا أنها تستيقظُ من جديد. هذا هو الوجود.

قد امتلكَ الشّرق القديم حكَمَ وأسرار دورات الوجود واللا-وجود، كما الليل والنهار. انتهاء الخليقة وفناؤها يتبع الخَلق ويلحَق به، فيدخلُ كلُّ شيءٍ رحمَ الفناء المهيب مثلما يغرقُ العالَم في الظلام عندما يحلُّ الليل ويرحلُ ضوءُ النهار. والمدّة التي يستغرقها سُبات الخليقة هي ذات المدة التي استغرقها تجسُّد هذه الخليقة… وبَعد فناء الخليقة وسباتها… تولدُ هذه الخليقة بعدها على مستوى كونيٍّ ذات أبعاد علوية أسمى وأعلى.

وهذا حالٌ يستمرُّ من الأزل حتى الأبد. الخَلق، ففناء الخليقة… الخلق ففناء الخليقة… الخلق ففناء الخليقة. لكنّ ضوء النهار يسطع في كلّ مرة ليزورَ الخلقَ الجديدَ فجرٌ أجمل ونورٌ أسطَع. شجاعةُ الشّرق القديم الذي فهم أسرار هذه الحكمة، لامثيل لها… حكمة استمرار دورات ودوران الوجود من الأزل إلى الأبد… وإلى الأبد. ما كان لأيِّ بدايةٍ في تاريخ الوجود وجود، ولن يكون لأيِّ نهايةٍ في تاريخ الوجود وجود.

اختفاؤك وغيابُك بعد الاستنارةِ حتميّ. سوف تودِّع العالَم والجسد والعقل. لن يبقى سوى وعيك… لن تبقى سوى الحضرة. وأن تتجاوز لما هو أبعد من الاستنارة يعني أن تتجاوز وعيك وحضرتك لتغدوَ كونياً. هكذا يدخلُ كلُّ وعيٍ ويأوي إلى كهف اللا-شيء الجليل. يوماً ما، سوف يأوي الوجود أجمع إلى قلبِ اللا-شيء والفناء المهيب، فيتنزّلُ سلاماً بديعاً ويُسدَلُ ليلاً عميقاً ويستوعب الموجودات رحماً مُظلماً عظيماً… ويدخل الكلُّ حال انتظارٍ عظيمٍ لولادة الفجر الآتي. وهذا حدوثٌ حدوثه أزليّ حدث منذ الأزل وباستمرار. وفي كلِّ مرةٍ تولدُ أنت دوماً على مستوى من الوعي أسمى وأعلى.

الإستنارةُ مآب وملاذ ونهاية رحلة البشر أجمعين. وصعبٌ على مَن استناروا أن يبقوا في حالٍ يُعدَمُ فيه الحِراك. لا بدّ لهم والتجاوز وما من شيءٍ سوى حضورهم حتى يخسروه.

الآن قد آن الأوان وحان حتى يغيب حضورهم الصافي النقي ويختفي في قدس أقداس الغياب. الأوان قد آن ليروا حلاوة وعذوبة الغياب والصمت الذي يتردد صداه سراً كونياً لا يُبلَغُ منتهاه، والصّفاء السحيق الذي يتجاوز الطُّهرَ والنّقاء.

أوشو المستنير الحبيب عن منتهى الحال والأحوال، عن السر الأبعد من كلّ الأبعاد

احتفال من قلب وحال بشارعبدالله



المكتبة - تنويه هام
Designed & Hosted by CoolesTech