أنت الآن تقرأ في قسم: أكوان, حدائق الأسرار

دِب أوزاركو: التخلّي عن عالمٍ ينهار

دِب أوزاركو: التخلّي عن عالمٍ ينهار

ladyfاستغرقني على مدى الشهور الماضية إحساسٌ عميقٌ بالحزن على حالة العالَم اليوم وعلى الإنهيار الذي يطالُ كل جانب من جوانب الحياة على الأرض. وإني أجدُ اجتياز حُزن غايا/الأرضيزدادُ صعوبةً، وأنا أعرفُ أنّ كلّ ما أحبّه وما هو عزيز عليّ الحيوانات وعالم الطبيعة – يتمّ استهلاكهم بدون رادع، وتحويلهم إلى سِلَع وتدميرهم بعد التخلي عنهم وهجرانهم. تُطلِق Joanna Macy على هذا الانهيار اسم الكشف الكبير“. أما الكلمة التي تتناغم وإيّاي فهي الانهيار.

forest elfوإني مُباركَة لأني أعيش في مكانٍ مذهل خلاب مشحون طاقياً بالغابات الممطرة والجبال والمحيط. وأنا دوماً في حالة هلع خوفاً على ما بقيَ من جمال في هذا الجزء من العالم. أعي هشاشة هذا المكان الرائع حيث لا وجود افتراضي لحجابٍ يفصلُ بين العالم المادي والعالم اللامرئي. على عكس المدينة بما فيها من مشاهد قاحلة جرداء وغير طبيعية، إضافة إلى الضجيج المتواصل الصادر من أبواق السيارات، والموسيقى الحماسية، وصفارات إنذار السيارات، والآلات، والبناء، والإلهاء التكنولوجي، وحالة القلق والانشغال والتوتر والتعب والضيق الذهنية التي لا تتغير. أسهل بكثير عليك أن تشعر بطاقة الأرض هنا، خاصة بالنسبة إلى إنسان حساس طاقياً مثلي. أشعرُ بما لا يُرى وما لا يُسمَع بواسطة العقول الجماعية، كما وأشعرُ بما تتجاهله ثقافتنا وتُنكره. إنّ ساحل Sunshine هو مقياسٌ حقيقي لما يحدث في العالم حقاً على مستوى لا مرئي. بالنسبة لي، هو الحقيقة.

إنّ الإرشاد الداخلي الذي أتلقاه إنما يأتيني بوضوحٍ يتجاوز ما اعتدْتُ عليه. الرسالة واضحة: اخرجي من النظام. الانهيار وصل وما عاد حدثاً بعيداً على وشك الوصول. إنه يحدثُ الآن وأسرع مما قد يتنبّأ به أحد.

تزامناً مع الرسالة الواضحة التي تدعوني إلى تخليص نفسي وتحريرها من النظام، تنتابني أحاسيس مُسبَقة متكررة وهواجس لا تفارقني. لهذه الهواجس خلاصة ثابتة رمزها المحيط تتلخص في كلمتين: “لقد انتهى“. يحاول ذكائي التقاط المعنى ليفهم ما هو هذاالذي انتهى. هل المعنى حرفي: انهيار محيطاتنا؟ هل هي نظرتنا العالمية التي تتبنى أنظمة التفرقة السلطوية الطبقية؟ هل هي ثقافتنا المتسللة باتجاه النمو اللانهائي والجهل والإلهاء والدمار القاسي؟ هل هو محيطنا الحيوي؟ هل هي البشرية؟ هل هي الحياة على الأرض؟ لا شكّ في أننا نرتكبُ جميعاً وعلى مستوى جماعي إبادةً بيئية، لكن هل هناك المزيد؟

بينما يجاهدُ عقلي للتوصُّل إلى إجابات، فإنّ قلبي لا يهتمّ. المحتوى لا يهُمّ. لا فرق بالنسبة لقلبي إذا كان هذا الهذاثقافياً، إقتصادياً، بيئياً أو انهياراً بشرياً. وبدلاً من السّماح لعقلي بإرهاقي بسيناريوهات مستقبلية مُحتَمَلة، فقد اختارَ قلبي أن يكون حاضراً تماماً مع ما هو كائن يكون. في قلب هذا القبول، أكون قد أطلَقْتُ العنانَ لقوّةٍ من الداخل تعرف أنه كيفما آلتِ الأمور، كل شيء على ما يرام، لأنّ الحبّ في قلبي يبقى راسخاً وسط كلّ هذا.

في مديح الفناء:

على عكس الجهل المتفشّي بإرادتنا، فإنّ الأمر لا يحتاج عالِم صواريخ ليفهم أن أسلوب حياتنا الاستهلاكي الذي يلتهمُ ويقتنصُ كلّ الموارد التي لا يتم تجديدها بتهوّر ولا مبالاة، هو أسلوب لن يدوم.

فإن عنَت كلمتا قد انتهىنهاية الحياة على الأرض، فهناك أشياء أسوء من نهاية البشرية – مثل متابعة عيش الحياة محكومة بواسطة الأنظمة الاستبدادية والاستهلاك الدّنس الرخيص. حياةٌ نُبِذَت فيها الإرادة الحرة، الحرية ووعي الوعي الكوني الشامل.

كما يقول Peter Russell: “ لا ملامَة على الأزمة التي نمرّ بها. إنّ أي عرق ذكيّ تكنولوجياً يمتلكُ القدرة ليغدوَ إزهاراً خلاباً للوعي، ولكنّ العوارض الجانبية لتطوره السريع يعني أنّ لديه وقت قصير حتى يُكمِل رحلته التطورية. إنّ مواجهة نهاية عِرقنا قادرة على أن تكون بحدّ ذاتها نداء الصحوة الذي نحتاجه“.

واحدٌ من تجسُّدات جنوننا الجماعي هو أننا على استعداد لفعل أيّ شيء من أجل إنكار حكاية أن لحياتنا نهاية. جميعنا يعلم منذ البدء أنّ مصيرنا الموت وأنّ موتنا محتوم، لكن من مفارقات القدر أننا نمتلك حالةً عقلية تخشى الموت وترتعب منه داخل ثقافة يقودها توقٌ وميْلٌ قهريّ لتدمير الحياة. هذا جنون.

أغلب البشر يعيشون الحياة وكأنهم لن يموتوا… وكأنهم لا يُقهروا… وكأنهم خالدون. في الوقت نفسه هم ليسوا بأحياء. إنّ مستوى القلق والتوتر الذي يعيشون فيه هائل. هذا العالم مليء بأناسٍ فاقدة للأمل، غير سعيدة وتكره نفسها. ضُمِنَت العبودية من خلال تحاشي جميع أنواع المحادثات التي تخصُّ الألم والموت، وبالتالي فإنّ الحشود لن تتحرّر من بؤسها أبداً.

إنّ مواجهة حقيقة أنّ موتنا قدَرنا قادرة على أن تكون في كثيرٍ من الحالات، صحوة نوعية تخُصُّنا برباطٍ ووَصلٍ أكثر قداسة بجميع أشكال الحياة. في حياتي الشخصية، فإنّ التجربة الأكثر تحريراً واتّساعاً وتحويلاً، كانت موت والدتي المفاجىء. على قدر كَوْن هذا الحدث مؤلماً، فقد حوّل وعيي للواقع بشكل تجاوزي وأنشأ اتصالاً بيني وبين حبّ أعمق للحياة.

إني أؤمنُ بأننا إذا واجهنا حقيقة أننا قد نكون وصلنا إلى نهاية رحلة تطوّرنا المذهلة كأعراق/أنواع، فسوف نكون قادرين على العيش بمزيدٍ من الحب في قلوبنا يفوق أيّاً ما عرفناه يوماً. بالنسبة لي، هذا أمرٌ جميل.

كما تقول Joanna Macy:”بكلّ تأكيد لا يوجد عُذر يجعل حبّنا الشغوف للعالم معتمداً ومتوقّفاً على ما نظنّه النتيجة: سواء استمرّت الحياة أم لم تستمرّ. في أحضان هذا الشكّ سنكون أحياء“.Deb-O-photo

مُقتَطَف من مقالٍ لِدِب أوزاركو

Deb Ozarko

Debozarko.com

احتفال من قلب بشارعبدالله



المكتبة - تنويه هام
Designed & Hosted by CoolesTech