أنت الآن تقرأ في قسم: أبعَد من الأبعاد, أكوان

أوشو: أسرار التحرُّر من أسباب قيود الإستنارة-1-

أوشو: أسرار التحرُّر من أسباب قيود الإستنارة-1-

يقول السيّد المستنير باتنجالي“:

فَكّ سَبَب القيْد ومعرفة المسارات، تسمحُ للعقلِ بدخولِ جسدٍ آخر“.

 

 

osho1058وما سبَبُ القيْد؟ ما سبَبُ انعدام الحرّية والامتناع عن التّحليق في سماواتها؟ إنّه الهويّة. طالما جسدكَ هويّتك لن تقوى على تجاوزه والارتحال لما هو أبعَد منه. أيّ ما تجعَلُهُ هويّتك سوف يكون سجنك. أينما كانت هويّتك سوف تغدو سِجنك. ظَنّك أنك جسدك يمنعك من القيام بما أنت قادر على القيامِ به لو أنّ جسدك ما كان هويّتك. وإنْ ظَنَنْتَ أنّك عقلك، يتحوَّلُ عقلك عالَمك الوحيد فلا تقوى على تجاوزه والتّحليق أبعد منه.

 

 

كمثل مَن تعلَّمَ لغةً من اللغات، فيَمضي على تفسير تجارب الحياة بتلك اللغة دون باقي اللغات. حتّى أنك إذا مرَرْتَ بمَن فكّ قيْدَه وما عاد جسده هويّته، فسوف تقومُ بتحجيمِ تجاربه وقَوْلَبَتها ضمن إطار تجاربك التي يحدّها جسدك. هكذا تتصرّف إذا التَقيْتَ ببوذا، بسيِّدٍ مستنير. لن ترى بوذا، لن ترى السيّد المستنير. لن ترى سوى جسده لأنك عاجز عن رؤية ما لسْتَ بمُختَبِرٍ له. لأنك عاجزٌ عن رؤية ما يتجاوز حدود هويّتك. هويّتك تبني جُدران سِجنك وتُحْكِمُ سلاسِل قيْدك.

 

 

إجتَنِب اتّخاذ صغائر الحياة هويّةً لك.

 

 

هناك أناسٌ تحيا لأجل أن تأكل. لا يأكلون لأجل أن يعيشوا، بل يعشيون لأجل أن يأكلوا. ويستمرّون بالأكل والحشو. هؤلاء يتحوّلون طعاماً ولا شيء سوى كُتلة طعام. هُم أشبه بالبَرّادات المحشوّة بالطّعام، فلا شيء آخر يملؤهم. لا أحد منهم يتوقّف للحظة حتى يسأل نفسه أهذه الحياة؟، أهذا ما أعيش من أجله؟

 

 

راقِب حياتك والدّور الذي تلعَبُه فوق مسارِحها. هل تحيا لأجل أن تقتات؟ لأجل أن تحشو نفْسك بالطّعام؟ أو لأجل أن تلهَثَ وراء الإنغماس الدائم بالجنس فتُلاحِق النّساء وتُلاحقين الرّجال؟

 

 

سألَتني امرأةٌ ودودة لطيفة ذات مرّة: “أوشو، هل أبقى وحيدة، أم عليَّ بمُلاحقة الرّجال؟ولكنّها تجاوزت سِنّ ملاحقة الرّجال وبلَغَت من العمر مرحلة متقدّمة. الآن آنَ الأوان حتّى تحيا وحيدة وسعيدة في وحدتها. من الغباء الآن أن تستمرّ بملاحقة الرّجال. قلتُ لها: “ ما مِن حاجةٍ الآن حتّى تلاحقي الرّجال“. لكن هذه الجملة تتحوّل مُشكلةً في الغرب، إذ حتّى النساء الكبيرات في السنّ تحاوِلْنَ الادّعاء بأنّهنّ صغيرات. ولا يتوقّفنَ عن ملاحقة الرّجال لأنّها الحياة في عيونهنّ. فإن اختفى الجنس سيظنُّ الجميع بأنّ الحياة اختفت معه، إذ ما الذي سوف يبقى لهم حتّى يُضفي إثارةً على حياتهم؟ ما الذي سيستحقّ أن تُعاش الحياة من أجله؟ الجنس والعلاقات ومحاربة الشيخوخة وجَمع المال… جميعها تعني في عيونهم الحياة.

 

 

لكنّ هذه المرأة فهِمَت ما قُلْتُه لها. سَهلٌ عليكم أن تفهموا أيَّ شيءٍ وأنتم بالقرب مني، لكنّ المشاكل تعود لتظهر من جديد عند ابتعادكم عنّي لأنّ فَهمكم حدَثَ بسببي. قد سكَنْتُ دواخلكم واختَرَقْتُ جوهركم فتَجَلَّت لكُم بنوري خفايا وحقائق كثيرة وبسهولةٍ شديدة. كتَبَت لي هذه المرأة رسالة في اليوم التّالي: “معك حقّ يا أوشو. أنتَ على حقّ. يجب أن أتوقّف عن ملاحقة الرجال. لكن ماذا عن العلاقات العابرة؟ها هي تُعيد عيْش ذات الحياة من جديد.

 

 

هويّتكم هي سبب قيْدِكم. تقول آية السيّد المستنير باتنجالي“: “فَكّ سبب القيْد…” فإن استطَعْتَ التحرُّك لأجل فَكّ هذا القيْد، لأجلِ حَلْحَلَته ولو قليلاً، لأجل أن تزول آثاره عن مِعْصَمَيْكَ قليلاً، لأجل أن تسترخي وترتاح منه… إن استطَعْتَ اقتلاع جذور نفْسك من تربة الجسد والعقل، عندها سوف تبلغُ تجربَةً عظيمةً مَهولة وهي: سوف تكون قادراً على دخول جسدٍ آخر غير جسدك.

 

 

لكن ما العظَمة في هكذا تجربة؟ ما إنْ تدخُلُ جسَداً آخر حتّى تفُكّ هويّتك بجسدك إلى الأبد. عندها سوف تعي أنك دخَلْتَ وسكَنْتَ أجساداً كثيرة قبلاً. لقد دخَلْتَ ملايين الأجساد، وأحبَبْت وعانيْت واعتَقَدْتَ في كلِّ مرّة بأنك هذا الجسد أو ذاك. بعد أن يخفّ قيد ارتباطك بجسدك ويصبح القيْد مَرِناً جاهزاً للسّقوط، ستصبحُ قادراً على اختبار هذه التجربة.

 

 

ستكون قادر على تطبيق هذه التجربة بأنْ تدخل جسد إنسان ميْت. اعتادَ بوذا إرسال تلاميذه إلى المقابر. كما واتّبعَ الصوفيون هذه الطريقة واعتمدوها بشكلٍ مُكَثَّف. كانوا يعيشون في المقابر حيث الموتى، وعندما يُدفَنُ جسدٌ جديد (أي توفّى صاحبه حديثاً)، كانوا يحاولون دخول ذلك الجسد المدفون. عندما تدخلُ جسداً آخر تصبحُ رؤيتك فجأةً شديدة الوضوح فتهمسُ لكَ أنّ الجسد مجرّد منزل أنت ساكنه مؤقّتاً.

 

 

تحضُّرُك لِفَكِّ قيْدك يُمَكِّنُك من تقديم المساعدة للآخرين وسوف تكون مساعدة ذات معنى وعُمق وتأثير. هذه واحدة من تقنيات شاكتيبات Shaktipat: مَنح/إيقاظ الطاقة الروحية/قوة الحياة لتلميذٍ من التلاميذ بواسطة سيّدٍ مستنير“. متى ما أراد سيّدٌ مستنير أن يساعدَك، أن يُطَهِّرَك، فإنّ قناة طاقة حياتك، ممرّ قوة حياتك وإنْ كانَ مسدوداً، يقومُ هذا السيّد المستنير بدخوله. يتنزَّلُ السيّدُ المستنير فيك، وتسري طاقته التي تنتمي إلى أسمى العوالِم الأبعد من الأبعاد، طاقته الطّاهرة التي لا حَدّ لها ولا قيد عليها… تسري داخل قنوات طاقة حياتك ومساراتها. تُفتَح قنواتك ومساراتك. عندها تصبحُ طاقة حياتك قادرة على الجريان داخل هذه القنوات بسهولة. هذا هو فنّ شاكتيباتالكامل. إذا استسلمَ التلميذ للسيّد المستنير فوَثَقَ به تماماً واستسلَمَ حقّاً، يدخُلُه السيّد المستنير ويسكُنُه مباشرةً.

 

 

وما إنْ تسكُنك طاقة السيّد المستنير وتُحيطُ بكَ البرانا خاصّته وتدخُلُك، يسهُل عندها عمَل الكثير من أجل عروجك الرّوحي. أعمالٌ تحتاجُ سنواتٍ لأجل أن تقومَ بها. أعمالٌ تتطَلَّبُ منك سنوات وسنوات لأنها تحتاجُ مجهوداً شاقّاً إذ تحوي بداخلك الكثير من الإنسدادات. إنسداداتٌ جامدة صلبة قاسية جداً جمَعْتَها من خلال حيواتٍ كثيرة جداً. وطاقتُك قليلة جداً. طاقتُك هزيلة تقطُر ولا تتدفّق ولا تفيض كطوفان أو فيضان. أنت لا تمتلك سوى قطراتٍ قليلة من الطاقة. من جديد تضيعُ هذه القطرات وتتبَدَّد في صحرائك الجافة القاحلة وبين صخور انسدادات تحويها قنواتك ومساراتك. لكنّ السيّد المستنير وإذا دخلَ فيك مثل شلالٍ متدفِّقٍ مَهول، فسوف يغسِل ويُطَهِّر ويُزيل الكثير والكثير. وعندما يخرجُ السيّد المستنير منك، تبدأُ فجأةً بالغُدوِّ شخصاً مختلفاً تماماً: أصفى وأنقى وأكثر شباباً وحيويّة… وتُفتَحُ جميعُ مسارات الطاقة بداخلك.

 

 

يُخَلِّفُ السيّدُ المستنير ورائه بعد أن يترُكَ جسد تلميذه وللحظاتٍ معدودة، فرصةً عظيمةً إنْ عرفَ التلميذُ كيف يستخدمها، يغدو بإمكانه بلوغ استنارته بسهولةٍ شديدة وبيُسرٍ لا مثيل له… دون أيّ جُهدٍ على الإطلاق.

 

 

هناك مدارس معيّنة يُطلَقُ عليها اسم مدراس Siddhas. لا تسمح هذه المدارس لطلّابها باستخدام أيّ تقنية. يُخبِرُهُم مُعَلّمُ الsiddhas أن يجسلوا ببساطةٍ بجانبه وينتظروا. هُم يؤمنون بالجلوس والانتظار، وهذه تقنية في غاية القوّة. لكن لأجل تطبيقها وإتمامها يتوَجّب حضور الإخلاص والولاء والوفاء الشديد العميق في قلب التلميذ. شكٌّ واحدٌ بسيط قادر على مَنع هذه الحالة من الحدوث. مقاومة بسيطة صغيرة من جانب التلميذ قادرة على وقْف حدوث هذا الحال. على التلميذ أن يكون مُستسلماً أيّما استسلام.

فَكّ سَبَب القيْد ومعرفة المسارات، تسمحُ للعقلِ بدخولِ جسدٍ آخر“. أمران يجب أن يتحَقَّقا. أولاً: فكّ القيد. ثانياً: الوعي، أي المعرفة والإلمام بقنوات الطاقة وممرّاتها ومساراتها، ومن أين يُترَك الجسد وتتمُّ مغادرته ومن أين يكون الدخول فيه من جديد، وكيف يدخلُ جسداً آخر. لأنك وإنْ لم تعرف من أين تترك جسدك وتغادره، فربّما لا تتمكّن من العودة إليه ودخوله من جديد. لذا فإنّ فكّ القيد لن يكون كافٍ لوحده. عليكَ أن تكون واعياً وعياً فائقاً دقيقاً للغاية لعالَمِ جسدك الداخليّ.

 

 

في العادة لا يعرفُ البشر سوى السطح الخارجي لأجسادهم. لا يعرفون سوى الجزء المكسو بالجلد. ويستمرّ الناس بتوفير الكريمات وأدوات التجميل والمساحيق والعطور لبشرتهم. هذا ما يعرفونه عن أجسادهم. لا يعرفون ولا يدركون الآلية العظيمة المختبئة في الداخل.

 

 

فُكّ قيدك واخلعْ عنك هوية الجسد، ثمّ أغلق عينيْكَ واشعُر جسدك من الداخل. حاول أن تقومَ بِلَمْسِ جسدك من الداخل وأن تستشعر كيف تشعُر بجسدك وكيف يشعرُ جسدك من الداخل. جِدْ مركزاً تقف وسطه داخل جسدك ثمّ انظُر من حولك، ولسوف تفتحُ لكَ خفايا تليها خفايا، أبواب الأسرار. هكذا تمكّن اليوغيون من معرفة أسرار القنوات والمراكز والمسارات وحقول الطاقة وكيفية عمل هذه الحقول، ومن أين تخرج من جسدك وكيف تتمكن من دخوله من جديد، وكيف تدخل جسداً آخر.

 

 

عليك إذاً أن تمتلكَ معرفةً عظيمة وأن تعي طوبوغرافيا الجسد بأكمله ورَسمه الدقيق، وإلا لن تتمكن من القيام بشيء.

 

 

لهذا السّبب يبوحُ باتنجاليبهذه الآية لكنّه لا يُعطي أيّ شرحٍ أو تفصيل، لأنّ هناك الكثير من الحَمْقى الذين قد يستغلّون الشّروح والتّفاصيل ويُقدِمون على تطبيق التقنية وتجربتها في شيءٍ سيّء ومنحرف. لا وجود لتفاصيل وشروحات. لن تستطيعَ القيام بأيّ شيء أو تطبيق أيّ شيء لمجرّد قراءة هذه الآية. جميع التفاصيل التي تشرح كيفية التطبيق لم تُكشَف لك. قد أبقاها باتنجاليسِرّاً. هذه التفاصيل لا تُكشَف إلّا للتلاميذ الذين تجاوزوا العقل والذين يعملون على اكتشاف حقيقتهم تحت ظلال سيِّدٍ مستنير. لا يُمكن البوْح بهذه التفاصيل في العلَن لأنّ الفضوليّين ينتشرون في كلّ مكان وسوف يحاولون التطفُّل والتجربة، وقد يتمكّنون من الخروج من الجسد في بعض الأحيان ولكنهم لن يعرفوا كيفيّة العودة. أحياناً قد يدخلون جسداً آخر لكنهم لن يعرفوا كيفية الخروج منه. إذاً هؤلاء سوف يخلقون المشاكل والضّرر لأنفسهم وللآخرين.

 

 

لا تُعطى التفاصيل الحقيقية الدقيقة إلّا من سيّد مستنير لطالبٍ وجهاً لوجه وفي حَضرةٍ حميمة.

 

 

أوشو المستنير الحبيب عن أسرار التديّن العظيمة والتحليق خارج هوية الجسد والعقل

احتفال من قلب وحال بشار عبدالله



المكتبة - تنويه هام
Designed & Hosted by CoolesTech