أنت الآن تقرأ في قسم: أديان, شاطئ الإستنارة

“كيف تفارق الحياة الجسد والسبيل لمحو الكارمات”:أوشو-3-والأخير،أسرار الموت والكارما

“كيف تفارق الحياة الجسد والسبيل لمحو الكارمات”:أوشو-3-والأخير،أسرار الموت والكارما

الجزء الأول

الجزء الثاني

 

حاول أن تفهم مفهوم الشّرق الأصيل العتيق عن الحرية. في الغرب حملَ اسمُ الحرية دلالة تضمينية تدُلُّ على الحرية السياسية. لكنّ الشرق الأصيل لم يكترث بالحرية السياسية ولم يُعِرْها اهتمام لأنه يعي أنّ الإنسانَ ما لم يكُنْ حُراً على المستوى الروحي فما مِن فارق سواء أكان حُرّاً سياسياً أم لم يكُن. حجرُ الأساس هو حريتك على المستوى الروحي.

 

والكارمات تخلقُ القيْد. إنّ أيّاً ما تفعلُهُ وأنتَ في حالِ لاوعي يتحوَّلُ إلى كارما. أيّ عمَل أو فعل يصدُرُ عنكَ والشّاهدُ الذي فيك يغُطُّ في سباتٍ عميق، يتحوَّلُ إلى كارما لأنّ الفعل الذي يُمارَس بينما الكيان تتقاذفُهُ أمواج اللاوعي العاتية هو ليس بفعلٍ على الإطلاق، بل هو ردّة فعل. وأنتَ تقومُ بفعلٍ والشّاهدُ الذي بداخلك يقِظْ شُعلتهُ الواعية مُتَّقدة يُنيرُ نورَها المساحات ويتوهَّج خارج العقل مُراقباً مُنتبهاً، عندها يكون فعلك هذا فعلاً حقاً وليس ردّة فعل. يكونُ فعلاً عفوياً تلقائياً كُلِيَّاً يصدُرُ عن كيانٍ مزَجَ كينونته بالفعلِ نفْسه. فعْلُك هذا لا يُخَلِّفُ أيّ أثر ولا يترك بقايا خلفه، لأنه كُلّي صادر عن كليّة كيانك. فعلُكَ هذا مُكتَمِل يكتفي بذاته. فعلُكَ هذا لم ينقُصه شيء. فإنْ كان فعلُك ناقصاً غير مُكتمل فلا بدّ من مجيء يومٍ يكتملُ فيه. لذا، فإنّ وعيك وإنارة شُعلة الشاهد اليقظ بداخلك في هذه الحياة، جميعها كفيلة بأن تمحي كارما ال”برارابدا” وأنْ تُساعِد في إفراغ مخزن كارماتك أكثر وأكثر. سيصبحُ مخزن كارماتك فارغاً تماماً في غضون حيواتٍ قليلة.

 

 

تقولُ الآية: “وإنّ اختبار التّركيز والجَمْع على نوعَيّ الكارما…” يقصدُ السيّد المستنير باتانجالي هنا كارما “سانشيتا” وكارما “برارابدا” لأنّ كارما “كرييامان” ليست إلّا جُزء من كارما “برارابدا”، لذا يقومُ بتقسيم الكارما إلى اثنتين.

 

 

ما هو التّركيز والجمع هذا؟ والكلمة الأصلية للتركيز والجمع هي “سامياما”. ما هي هذه ال”سامياما”؟… “سامياما” هي أعظم تركيبة للوعي البشري، هي تركيبة الثلاثة: “دهارانا”، “دهيان” و”سامادي”.

 

 

طبيعة العقل العادي أن يقفز من موضوعٍ إلى آخر ومن فكرةٍ إلى أخرى. عقلُكَ لا يتناغم وأمر واحد على مدى طويل، أبداً. وتستمرّ أنت بالقفز لأنّ عقلك يتحرّك باستمرار مثل تيارٍ جاري لا يتوقّف. هذه الحالة العادية للعقل.

 

 

الخطوة الأولى للخروج من هذه الحالة هي “دهارانا”. “دهارانا” تعني التركيز، أي تحديد كامل وعيك وتوجيهه اتجاه أمر واحد وعدم إفلات هذا الأمر أو نسيانه والغفلة عنه حتى يستمر بالظهور على شاشة الوعي وتتمكن أنت من إبطال عادة العقل اللاواعية بالتنقّل من أمرٍ إلى آخر، إذ حالما تتلاشى عادة الانتقال المتغيِّر والمستمرّ من موضوعٍ إلى آخر، سوف تبلغُ أنت عندها حال تمركُز داخلي، حال وضوح داخلي تام. لكنك ستبقى مشتّتاً مُقَسَّماً إنْ استمرّت أشياءٌ كثيرة بالظهور على شاشة وعيك ذهاباً وإياباً. تغيير الأفكار والأهداف والتطلُّعات المُستمرّ يقود عقلك إلى حالة غليانٍ تُشبهُ الحُمّى الداخلية. عندها لن تتمكّن من بناء علاقة حميمة متينة مع أيِّ شيءٍ حولك. وكأنك شجرة بدون جذور. أن تكون دائم التّرحال من مكانٍ إلى مكان، ماضٍ في تغيير ما تصبو إليه هو حال أشبه بشجرة لم تُمنَح فرصةً حتى تغوص بجذورها في أعماق الأرض. لن تُزهِرُ هذه الشجرة ولن تتفتح أزهارها لأنّ على الجذور أن تستقرّ في عُمق الأرض قبل أن تتفتح الزهور.

 

 

التركيز إذاً يعني تركيز وعيك على أمرٍ واحدٍ ليُقيمَ ويستقرّ عند هذا الأمر.

 

 

الخطوة الثانية هي “دهيان”. قد كان ما تركّزُ وعيك عليه في الخطوة الأولى “دهارانا”، هو المهم. أما في الخطوة الثانية، “دهيان”، فالتأمل هو ما يُهِمّ. لا أهمية لما حولك في التأمل. كلّ ما حولك يصبحُ ثانوياً، بينما يغدو تيّار الوعي الدّافق غاية في الأهمية. الأهمية في الخطوة الثانية تُمنَحُ للوعي المُنساب الذي يقوم بالتركيز على أمرٍ من الأمور. لا يَهُم ما تركّز عليه. ما يهُمّ هو استمرار وعيك بالتّدفق والانسياب دون انقطاع.

 

 

تستيقظُ بداخلك قوّة هائلة مع تدفّق وعيك باستمرار دون أيّ انقطاع. سوف تشعرُ للمرّة الأولى وتدرك معنى الحياة. ستختفي مساحات الغفلة مع استمرار وعيك بالانسياب وتغدو أنت كُلّاً مُوَحَّداً مُجتَمِعاً بعيداً عن التشَتُّت والانقسام. أنت الآن حاضر وموجود. وعيك ينساب مثل نهرٍ وأنت أصبحتَ قوياً تنعمُ بقوّة حياةٍ متدفقة كشلالٍ لا ينضَب.

 

 

هذه هي الخطوة الثانية من تركيبة “سامياما”. إنها ثاني المحتويات، يتلوها المحتوى الثالث… المحتوى المُطْلَق الذي ما بعده محتوى: “سامادي”. قد كان التركيز هو المهم في المحتوى الأول “دهارانا”، إذ عليكَ اختيار أمر تقومُ بتوجيه وعيك إليه من بين ملايين الأشياء المحيطة بك. أما التأمل، الوعي فكان هو المُهمّ في المحتوى الثاني “دهيان”، إذ عليك أن تحافظ على دَفق وانسياب الوعي تياراً رقراقاً جارياً. أما في “سامادي” فما عليكَ سوى أن تتجاوز العقل الكُلّيّ الواحد الذي بلَغْتَهُ في الخطوة الثانية.

 

 

عقولٌ كثيرة تولَدُ بداخلك مع تواجُد الكثير من الأمور والأشياء التي تُشَتّت تركيزك. مع وجودِ أمر واحد تُرَكِّزُ عليه وتوجّه انتباهك له يصبحُ العقلُ واحداً: مرَكَّزاً مُتَمَرْكِزاً متجذِّراً يعي وُجهته. لكن عليك أن تتجاوز هذا العقل أيضاً في “سامادي” وإلا فسوف تبقى أسيراً للأنا. قد تجاوَزْتَ التعدُّديّة التي تقودك إلى التشتُّت والانقسام، والآن عليكَ بتجاوُز الواحد أيضاً. عليكَ بتجاوز هذا العقل الواحد المُوَحَّد في “سامادي”. ومع تجاوُز العقل تتجاوز الأمر الذي كنتَ تقوم بالتركيز عليه بل ويختفي من تلقاء نفسه لأن وجوده مستحيل في غياب عقلٍ يركّزُ عليه. كلاهما يتواجدان سوياً.

 

 

وحدُه الوعي يبقى شاهقاً شامخاً متوهّجاً عند خطوة “سامادي”… وحده الوعي يبقى مساحةً نقيّة خالية من أيِّ محتوى.

 

 

هذه الخطوات الثلاث مجتمعة تُسمّى “سامياما”. إنها التركيبة الأعظم للوعي البشري.

 

 

الآن سيغدو باستطاعتك فَهم الآية: “وإنّ اختبار التّركيز والجَمْع على نوعَيّ الكارما، الخامِد والنَّشِط، أو على النّذر والطَّوالِع، يقودُ للتنبُّؤ بميعاد الموت الدّقيق”…. إذا قُمْتَ بالتركيز، ثمّ التأمّل ثم دخول مرحلة السامادي “التجاوُز” فسوف تكونُ قادراً على معرفة ميعاد موتك بالتحديد. إذا قُمْتَ بتوجيه ال”سامياما” خاصّتك، تركيبة الوعي العظيمة هذه، القوة الهائلة التي استيقظت بداخلك… إذا قُمْتَ بتوجيهها للموت فسوف تعرف مباشرةً متى سوف تموت.

 

 

كيف يحدثُ هذا؟

وأنت في قلبِ غرفةٍ مُظْلمة تصبحُ عاجزاً عن رؤية محتوياتها الموجودة فيها. أمّا إذا دخَلْتَها حاملاً مشعلَ نور فسوف ترى جميع محتوياتها. هكذا هي حياتك، عبارة عن غُرفٍ مُظلمة تتنقّل عبرها لتدخل إحداها ثمّ تخرج منها لتدخل أخرى، لكن في ظلامٍ دامس. لذا أنت لا تعرف كَم تبقّى من كارما “برارابدا” داخل غُرَفك، و”برارابدا” هي الكارما التي عليكَ إتمامها في هذه الحياة. لكنك عندما تسيرُ بتركيبة “سامياما” حاملاً مشعلاً بالنور المتوهّج البرّاق مُضاء فسوف تُنير الغرف المُظلِمة التي فيك وتعرف كم تبقّى لك من كارما “برارابدا”. سوف ترى أنّ المنزل بكامله فارغ من المحتوى ولم يتبقَّ سوى بضعة أمورٍ موجودة في زاوية من زوايا المنزل، والتي سوف تختفي قريباً. الآن سوف تتمكّن من رؤية ميعاد موتك.

 

 

“سامياما” أو شُعلة الوعي اليقظة المُتَّقدة بداخلك، تُمَكِّنُكَ من رؤية كَم تبقّى لك من كارما. هو حدثٌ مشابِهٌ تماماً لطبيبٍ يلمَسُ ويتفقَّدُ نبضَ رجلٍ يحتضَر ويقول: “لن يعيش أكثر من ساعتين أو ثلاث ساعات”. ما الذي يقوله الطبيب؟ قد بات هذا الطبيبُ يعلمُ بحُكْمِ خبرتِه الطّويلة، كيف يكون النّبض عندما يتحضِرُ الإنسان. كذلك، يعرفُ إنسان الوعي المتَّقِد كم تبقّى له من كارما “برارابدا” – كم من النّبض بقي له – وسوف يعي متى يحينُ موعد الرحيل.

 

 

بالإمكان القيام بهذا الأمر عِبْرَ طريقتين. تقول الآية إمّا أن تُرَكِّز على الموت، هذه كارما “برارابدا”، أو أن تقوم بمراقبة القليل الموجود من النّذر والطّوالع.

 

 

على سبيل المثال… شيءٌ ما يحدث قبل أن يموت شخص، أي قبل حوالي تسعة أشهر بالتحديد. عادةً، لا أحد يلاحظ هذا الأمر ولا يعي حدوثه لأنّ البشر تحيا في ظلام لاوعيٍ شديد سحيق، وهذا الحدث غاية في الشفافية. وإني قلْت بأنه يحدث قبل حوالي تسعة أشهر لأنّ الأمر يختلف ويعتمد على وقت الحَمْلِ بك ووقت ولادتك. هذا الوقت هو الفيصل. إذا وُلِدْتَ بعد تسعة أشهر من استقرارك في الرّحم، سيكون الوقت تسعة أشهر. أو يكون الوقت عشرة أشهر إنْ كنتَ قد وُلِدْتَ بعد استقرارك عشرة أشهر في الرّحم. أو سبعة أشهر. الأمر يعتمد على كمية الوقت المنقضي بين وقت الحَمْل بك ووقت ولادتك. لذا، وقبل الموت بنفس المدة المنقضية بين وقت الحمل بك وبين ولادتك، يحدث شيء عند “الهارا – محيط الطاقة عند السرّة”، عند مقام السرّة. لا بدّ من حدوث هذا الشيء إذ أنك قضيْتَ تسعة أشهر ما بين الحَمل بك وما بين ولادتك: تسعة أشهر احتجتها لأجل ولادتك، وسوف تحتاج الوقت نفسه بالضّبط لأجل موتك. قد تمّ تحضيرك تسعة أشهر داخل رحم أمّك من أجل ولادتك، كذلك عليك أن تُحَضِّر قبل تسعة أشهر من موتك. عندها تكتملُ الدائرة. شيءٌ ما يحدث في مقام السرّة. الواعي صاحب شعلة الوعي المتَّقدة المتوهّجة سوف يعي مباشرةً بأنّ شيء قد كُسِرَ أو قُطِعَ داخل مقام السرّة، وأنّ الموت الآن يتقرب أكثر فأكثر. على الأكثر سوف يتطلّب تسعة أشهر حتى يزور.

 

 

وهناك نذائر وطوالع مختلفة. على سبيل المثال، يصبحُ الإنسان وقبل ستة أشهر بالتحديد من ميعاد موته، رويداً رويداً عاجزاً عن رؤية مقدّمة أنفه أو رأس أنفه لأنّ العينيْن تبدآن بالتوجُّه صعوداً، لكن ببطءٍ شديد. ثمّ تتوجّهان صعوداً بشكلٍ تام عند الموت، ولكنهما تبدآن بالتوجه صعوداً، برحلة العودة صعوداً، قبل الموت.

 

 

يحدثُ هذا عند ولادة الطّفل، إذ يحتاج الطّفل الحديث الولادة ما يُقارب الستّة أشهر حتى تثبُت عيناه -مع احتمالية وجود استثناءات لهذه القاعدة-. لهذا يكون باستطاعة الأطفال جَمع بؤبؤ العينين وتقريبهما قرب الأنف أو إبعادهما إلى زوايا العينين وبسهولة كبيرة. عيونهم لم تثبت بعد. اليوم الذي تثبُتُ فيه عَينا الطّفل: سواء أتى هذا اليوم بعد ستّة أشهر أو تسعة أشهر أو عشرة أو اثني عشر شهراً، عندها سيكون وقت بداية صعودها قبل الموت هو نفس الوقت الذي استغرَقته وهو طفل حتى تثبُت، فتعود لتفقد ثباتها من جديد وتتجه إلى أعلى.

 

 

توجدُ طرقٌ عديدة لدى اليوغيين يتمكنون من خلالها من مراقبة رأس الأنف باستمرار، إذ يقومون بالتركيز عليه. عندما يكتشف مَن كان يقوم بالتركيز على رأس أنفه دوماً، بأنه غير قادر على رؤيته، فسوف يعلم بأنّ الموت قد اقترب.

 

 

هناك سبعة مراكز في الإنسان وفقاً لفسيولوجيا اليوغا. المركز الأول هو الأعضاء الجنسية، والأخير هو المركز الموجود عند الرأس. وبينهما يوجدُ خمسة مراكز. وعندما تموت أنت، فسوف تموت عبر واحدٍ من هذه المراكز. وهذا يُظهِر مدى النموّ والنّضج الذي حققتَه على مدار رحلتك في هذه الحياة. عادةً ما يموت أغلب البشر من خلال مركز الأعضاء الجنسية لأن الناس أجمع تحيا حياتها برمّتها وهي تدور حول مركز الجنس، وهي تفكّر بالجنس باستمرار، تتخيّل ما بإمكانها تخيّله عن الجنس، وتقوم بما بإمكانها القيام به بخصوص الجنس، وكأنّ الحياة بأكملها تتمحور حول مقام الجنس. هذه الناس تموت عبر مركز الجنس ومن خلاله. فإن تطوَّرْتَ قليلاً وبلغتَ شيئاً من المحبة متجاوزاً الجنس، عندها سوف تموت عبر مركز القلب. وإنْ بلغت ذروة التطور وقمّته فسوف تموت عبر مقام الرأس.

 

 

هوّةٌ أو منفَذٌ ذبذبيّ سوف يُفتَح في المركز الذي سوف تموت من خلاله لأن طاقة حياتك بأكملها سوف تتحرّر وتخرج من هذا المركز.

 

 

نقطة تحرير طاقة الحياة وقوة الحياة تُفتَح عندها. بالإمكان رؤية هذه النقطة. عاجلاً أم آجلاً عندما يعي الطبّ الغربي عِلم الفسيولوجيا اليوغي، سوف يغدو هذا العلم جزءاً من التشريح لأجل معرفة كيف مات الشّخص. التشريح الآن يُظهرُ فقط ما إذا كان الشّخص قد توفّي طبيعياً أو بواسطة سُمّ أو مقتولاً أو مُنتحراً، وجميعها أشياء عادية. الأمر الجوهري والأهم الذي يُفلِتُ من بين أيديهم والذي يجب أن يشمُلَه تقرير التشريح هو: كيف مات الشخص: من مركز الجنس، من مركز القلب، أو من مركز الرأس؟ من أين مات الشخص. وهناك إمكانية -لأن اليوغيين قاموا بإحراز تقدُّم في هذا المجال- لرؤية من أيِّ مكانٍ مات الشّخص، من خلال الجسد لأن هذا المركز الذي مات منه الشخص سوف ينهار ويتحطم مثلما تتحطم البيضة ليخرج منها الجنين.

 

 

مع بلوغ أحدهم حال “سامياما” يصبحُ قادراً وقبل ثلاثة أيام من موته، على معرفة المركز الذي سوف يخرج منه، وفي أغلب الأحيان فإنه ينتقل من الجسد ويتركه عبر مركز الرأس (ساهاسرار). حركة معيّنة ونشاط مكثّف يحدث عند قمّة الرأس قبل موعد الوفاة بثلاثة أيام.

 

 

هذه الإشارات والعلامات قادرة على تحضيرك لاستقبال الموت في احتفالٍ عظيم وفرحٍ هائل وغبطة عارمة وأنت ترقص وكأنك في حال نشوة. عندها لن تولَد من جديد. قد تعلَّمْتَ درس الحياة. قد تعلَّمْتَ أيّاً ما أتيْت لتتعلَّمه هنا على الأرض. الآن أنت جاهز للمُضِيّ قُدُماً إلى الأبعد من الأرض من أجل مُهمّة جديدة أعظم، من أجل حياةٍ أعظم، حياة لا تنتهي أبداً. الآن أنت جاهز ومُستعدّ حتى يمتصَّكَ الكون والوجود، حتى يُعانقكَ الكُلّ فقد استحَقَّيْتَ هذا العناق.

 

 

شيءٌ واحد تبقّى فقط بخصوص هذه الآية. إنّ كارما “كرييامان”، كارما الحياة اليومية، هي جزء صغير جداً بإمكاننا تسميته بلغة علم النّفس ب”الوعي”. بعد هذا الجزء تأتي كارما “برارابدا” والتي يمكن تسميتها بلغة علم النفس المعاصر ب”اللاوعي الهامشي”. وأدنى أو أعمق منها تأتي كارما “سانشيتا” والتي سنسميها بلغة علم النفس المعاصر ب”ما دون الوعي-اللاوعي”.

 

 

عادةً أنت تعيش دون وعيٍ منك لنشاطاتك وأفعالك اليومية، لذا كيف لك أن تكون واعياً لكارما “برارابدا” أو كارما “سانشيتا”؟ مُستحيل. لذا إبدء بأن تكون واعياً لأفعالك ونشاطاتك اليومية. كُن يقظاً واعياً وأنت تمشي على الطّريق. كُن يقظاً واعياً وأنت تتناول الطّعام. إبقَ مُراقباً شاهداً على ما تفعله وتقوم به. إبقَ مع ما تفعله ولا تشرد أو تسرح هنا وهناك. لا تقُم بفعل الأشياء كالزومبي، مثل الآلة، مثل الأموات. لا تتحرك وتمشي وتتحدث وتفعل ما تفعله وكأنك في تنويمٍ مغناطيسيٍّ عميق. أيّ ما تريد قوْله، قُلْ كلّ شيء بانتباهٍ شديد حتى لا تندم على أيِّ شيءٍ تقوله أبداً.

 

 

عندما تتأسف لقولك ما لم تُرِد قوْله، أو عندما تقول بأنك فعلْتَ شيئاً لم تكُن تقصد أن تفعله وأنك لا تعرف كيف حدث ولماذا وأنه حدث رغماً عنك… كلّ هذا يعني أنك نائم غافِل لست واعياً لشيء. أنت تفعل ما تفعله وأنت في حالِ نومٍ عميق سحيق.

 

 

عَوِّد نفْسك على أن تكون واعياً شاهداً يقظاً أكثر وأكثر. هذا هو معنى أن تكون الآن وهنا. أنت الآن تستمع إليّ: بإمكانك أن تكون أذنين فقط. أنت الآن تراني: بإمكانك أن تكون عينيْن فقط. كُن العين شاهداً واعياً تماماً لما تنظر إليه دون حتى أن تمرّ فكرة واحدة على شاشة عقلك، دون أيّ مقاطعة، دون أي غيوم تلبِّدُ السّماء. وَجِّه تركيزك إليّ، اصغِ وانظُر بدقّة وإمعان فتكون حاضِراً معي هنا والآن: هذه هي الخطوة الأولى.

 

 

تصبحُ الخطوة الثانية مُتاحة إنْ تمكّنتَ من بلوغ الخطوة الأولى. عندها يصبح بإمكانك دخول اللاوعي الهامشي. في هذه الخطوة، إنْ أهانكَ شخص ما، فإنّ وعيك لن يستيقظ بداخلك بعد أن تنتابك أحاسيس الغضب. وعيك سوف يستيقظ بداخلك فوراً مجرّد أن قام أحدهم بتوجيه الإهانة لك حيث تَلحَظ وتستشعر إحساساً معيّناً بالغضب قد تسلَّلَ إلى داخل أعماق اللاوعي في كيانك. موجة صغيرة من الغضب، موجةٌ شفافةٌ هي التي تسَلَّلَت. لن تعي تسلُّل هذه الموجة إنْ لم تكُن واعياً يقِظاً مُرهف الإحساس. ما لم تكُن واعياً فإنك لن تعي هذه الموجة إلا بعد أن تغلي وتطفو على سطح الوعي فتعرف أنك غاضب. رويداً رويداً سوف تصبحُ واعياً لظلالٍ عاطفية شفافة رقيقة تسرحُ وتمرحُ بداخلك. هذه هي كارما “برارابدا”، اللاوعي الهامشي.

 

 

عندما تصبح واعياً لهذا اللاوعي الهامشي، تفتحُ لكَ الخطوة الثالثة أبوابها. سوف تتمكّن الآن من رؤية ثالث الخطوات وآخرها، سوف تتمكن من أن تعي كارما “سانشيتا”، كارما الماضي المُتراكِم. ما إنْ تدخلُ دهاليز اللاوعي -ما يدُلُّ على أنك تُمسِكُ بمِشعَلِ الوعي المُنير مُضيئاً أعمق أعمق المستويات التي يحويها كيانك- حتى تغدو مُستنيراً. هذا معنى الإستنارة: كلُّ شيءٍ بداخلك أُنير وأصبح بالنّورِ مُضاء. اختفى الظّلام وما عاد له بداخلك وجود. لا شيء يُخفيه ويستُرُه الظلام بعد الآن. كلّ زاوية وكلّ رُكنٍ فيك أصبح بالنور مُضاء. عندها أنت تعيش وتحيا وتفعل ولكنك لا تجمَع ولا تُراكِم أيّ كارما.

 

أوشو المستنير الحبيب عن أسرار الموت والكارما

احتفال من قلب وحال بشار



المكتبة - تنويه هام
Designed & Hosted by CoolesTech