أنت الآن تقرأ في قسم: أديان, شاطئ الإستنارة

“معرفة ميعاد الموت وأنواع الكارما”أوشو-2-أسرار الموت والكارما

“معرفة ميعاد الموت وأنواع الكارما”أوشو-2-أسرار الموت والكارما

الجزء الأول

 

الآية الأولى:

“وإنّ اختبار التّركيز والجَمْع على نوعَيّ الكارما، الخامِد والنَّشِط، أو على النّذر والطَّوالِع، يقودُ للتنبُّؤ بميعاد الموت الدّقيق”.

 

أمورٌ كثيرة يُسْتَحْسَنُ فَهمها.

أولاً، ما الدّاعي للقَلَقِ بشأن ميعاد موتك والسّاعة التي يحينُ فيها أجَلك؟ بأيِّ فائدةٍ أو نفْعٍ سوف تعود عليك هذه المعرفة؟… لأنّك تعي في قرارة نفْسك بأنّ الموتَ ينتظرُكَ منذ ولادتك، بأنّك لن تكون في كتاب قانون الحياة الأزلي هذا استثناء. الموت ينتظرُكَ مهما فعَلْت وأينما ذهبْت.

 

 

وأنت الآن عاجزٌ عن التصرُّفِ بشأن ولادتك لأنها حدَثَتْ أصلاً. ولادتُك جزءٌ من الماضي ولا سبيل لإعادة ترتيب أو تغيير ما كان وما قد جرى. أمّا الموت فمُنتظرٌ لك ولم يحدُث بَعد. الموتُ حدثٌ ينتظرُكَ، لذا أنت قادرٌ على التّحضير من أجل استقباله ومُلاقاتِه.

 

 

عِمادُ الأديان الشرقية الأصيلة هو رؤيا الموت، لأنه آتٍ لا مَحالة، لأنه ما سوف يحدثُ لك. فإنْ علِمْتَ بميعادِ موتك يغدو ما بإمكانك فِعْله لأجل تحويل نفْسك والتّحضير لهذه اللحظة، نبعاً هائلاً ماؤه لا ينضَب. الكثيرُ من الأبواب سوف يُفتَحُ لك. وقتها سوف تموتُ على طريقتك التي تخُصُّكَ وحْدك. عندها سوف تموت تاركاً توقيعك الفريد على صفحة موتك. حينها ستهدفُ تحضيراتك لموتك إلى الكَفّ عن الولادة على هذه الأرض من جديد. والتوقُّف عن الولادة على هذه الأرض من جديد هو غاية المعنى… هو الهدف الأسمى والأعلى. ليس هذا بهَوَس بل هو العِلْم، هو غاية العِلْم والتّعليم. من الحماقةِ أنْ لا يتفكّر الإنسان بشأن الموت بينما يعي تماماً أنّه مصير الجميع. من الحماقة، والموت هو مستقبل الجميع، أن لا نتأمّل الموت، أن لا نركِّزَ أعيُننا الداخلية عليه ونبلغُ بسُفنِ القلوبِ شواطىء الفَهم العميق لنَحُطَّ عليها الرِّحال.

 

 

يقولُ السيّد المستنير “باتانجالي” بأنْ حتّى اليوم والساعة والدقيقة والثانية الخاصّة بموتك، جميعها بالإمكان معرفتها قبل حدوثها. ستكونُ قادراً على التّحضير ما إنْ تعرف ميعاد زيارة الموت لك. من اللائقِ استقبالِ الموت والتّرحيب به كضيْفٍ جليلٍ وعظيم. الموتُ ليس العدوّ. حقيقةُ الموت أنه هِبَة الله وهديّته لنا. هو الفرصة الذهبية مُتاحةً للعبور. هو فرصَتُك لبلوغِ ما يبدو مستحيلاً لك: متى ما تمَكَّنْتَ من عبور الموت يقِظاً مُنتَبِهاً واعياً فإنّك لن تولَدَ مُجَدَّداً أبداً، وسوف تروي لقاءاتُك والموت آخر فصول حكايتها. إنْ أضَعْتَ هذه الفرصة الذهبية وسمَحْتَ لها بالتسَلُّلِ من بين يديْك فسوف تولَدُ من جديد. وإذا استَمَرَّيْتَ بإفلاتها فسوف تستمرُّ بالولادة من جديد بعد كلّ موت، مراراً وتكراراً، إلى أن تتعلَّمَ درس الموت وحكمته.

 

 

سأصوغُ الكلام بطريقةٍ أخرى: الحياةُ برُمَّتها ليست إلّا تعليماً لدَرس الموت، ليست إلّا تحضيراً لعبور الموت. لأجل هذا السبب يزورُ الموت صاحبه في نهاية الحكاية. لأنّ الموت هو مِسك الختام، هو الذّروة، هو السّامي من المقام والقمّة التي لا تطالُها باقي القِمَم مهما ارتفَعَت ومهما عَلَت.

 

 

عُلماء النّفس في الغرب على وجه الخصوص باتوا يدركون إمكانية بلوغ مستوى شاهق، نوعاً من الذّروة والقمّة أثناء ممارسة الجنس… نوعاً من النشوة الهائلة العظيمة تُشبِعُ الإنسان وتُنعِشُه وتُحَلِّقُ به مُنتشياً في سماوات أعلى درجات الشّعور والإحساس المُمكنة. تغسِلُه وتُحَمِّمُه فيخرجُ منها مُنتعِشاً صافياً فتيّاً حَيّاً زالَ عنه الغُبار وكأنه استحَمَّ في شلالِ طاقةٍ أبديّ. لكنّ عُلماء النّفس لم يعرفوا بعد أنّ ما يتذوّقه الإنسان خلال ممارسة الجنس ليس إلّا موت بسيط. هو الموت المُصَغَّر وأنّ القادر على التخلّي عن أناه حتى تفنى وتذوب فتموت عندما تعانقها المحبة هو مَن بإمكانه بلوغ النشوة الأعمق والأعظم. النشوة الجنسية هي كالموت المُصَغَّر، لكنها لا تُقارن بنشوة الموت أبداً. هي لمحة عن الموت الحقيقي. الموتُ هو النشوة الأعظم في الوجود.

 

 

ولكنّ زخَم الموت شديد. الزّخم العاتي الهائل الذي يحمله الموت معه زائراً يقود أغلب البشر لدخول حالِ لاوعيٍ أثناء زيارته لهم، وهُم على فراش الموت. يدخلون حال لاوعيٍ عميق سحيق لأنهم يعجزون عن مواجهة الموت. الخوف الشديد والهلع يحتلّ كيانك ما إنْ يقرع الموت بابك. يملؤكَ القلق والتوتر فتتحاشى المواجهة وتفقد وعيك. تسعةٌ وتسعون بالمائة من البشر تموت وهي في حال اللاوعي، تموت فاقدةً للوعي. هكذا تضيع عليهم فرصتهم الذهبية.

 

 

إنّ معرفة ميعاد الموت قبل زيارته لهيَ تقنية وطريقة تساعدُ الإنسان في التّحضير حتى يكون يقِظاً واعياً مُنتظراً وحاضِراً عندما يأتي الموت زائراً يقرعُ الأبواب… حتى يكون الإنسان في تلك اللحظة جاهزاً للاستسلام، حاضراً حتى يُعانق الموت. في اللحظة التي يزورك الموت فيها ويجد استسلامك وتقَبُّلك وعناقك له وأنت في حالِ وعيٍ ويقَظة، تصبحُ الولادة الجديدة على الأرض مستحيلة بالنسبة لك، فقد تعلَّمْتَ الدّرس. لن تعود إلى مدرسة الدّنيا من جديد. وما هذه الحياة سوى مدرسة، سوى تدريب حتى تتعلّم درس الموت.

 

 

الدّين الحقيقيّ يتمحور حول الموت، فإن لم يهتمّ دينٌ ما بفنّ الموت والتحضير له فهو ليس بدينٍ على الإطلاق. سيكون علم اجتماع أو أخلاقيات أو سياسة لكن ليس بدين. الدينُ هو البحث عن ما لا يموت. وبلوغ ما لا يموت ممكنٌ فقط من خلال عبور بوابة الموت.

 

 

تقولُ الآيةُ الأولى:

“وإنّ اختبار التّركيز والجَمْع على نوعَيّ الكارما، الخامِد والنَّشِط، أو على النّذر والطَّوالِع، يقودُ للتنبُّؤ بميعاد الموت الدّقيق”.

 

 

يقولُ التّحليل الشرقي للكارما بأنّ هناك ثلاثة أنواع للكارما. دعونا نقومُ بِفَهم هذه الأنواع.

 

 

يُدعى النّوع الأول “سانشيتا”، وهي تعني الكُلّ، كُلّ أو مجموع جميع حيواتك الماضية. أيٌّ ما فعَلْتَه، وجميع ردّات فعلك التي قُمْتَ بها اتجاه المواقف التي مررْتَ بها، وكلّ ما فكَّرْتَ به ورَغِبْتَه، ما بلَغْتَهُ وحقَّقْتَهُ وما لم تُحَقِّقْهُ، الكُلّ، كلّ شيء، مجموع أفعالك وأفكارك ومشاعرك التي حدثت في جميع حيواتك، تُسمّى “سانشيتا”. وهي كلمة تعني كُلّ شيء، الكُلّ الذي تجمَّعَ خلال جميع حيواتك الماضية.

 

 

يُعرَفُ النوع الثاني من الكارما ب”برارابدا”، وهذا النوع من الكارما هو ذلك الجزء من “سانشيتا” والذي عليكَ إتمامه في حياتك الحالية هذه، أي ما عليك أن تحققه وتواجهه في هذه الدورة الحالية من حياتك. لقد عِشْتَ حيوات كثيرة وجَمَعْتَ الكثير. جزءٌ ممّا جمَعْتَهُ يمتلكُ فُرصة ليتحقق في هذه الحياة، لتكتشفه، لتُعانيه، لتعبُرُه وتمُرُّ به في هذه الحياة. جزءٌ فقط لأنّ لهذه الحياة حدود، لأنها محدودة بسنٍّ مُعيّن لن تتمكّن من تجاوزه سواء أبلغَ سبعين أو ثمانين أو مئة عام. لن تستطيع عيْشَ أو إتمام جميع كارمات حيواتك الماضية-سانشيتا أي جميع ما جمَعْته- في حياةٍ واحدة تمتدّ لمئة عام. جزءٌ منها فقط. يُدعى هذا الجزء “برارابدا”.

 

 

بعدها يأتي النوع الثالث من أنواع الكارما وهو “كرييامان”. وهو الكارما التي تجمعها يوماً تلو الآخر. هو كارما كلّ يوم من أيام حياتك الحالية. إنه كارما اليوم، الكارما اليومية. أولاً هناك كارما مجموع وكُلّ حيواتك الماضية، بعدها كارما الجزء الصغير من هذا المجموع والتي سوف تنقضي في هذه الحياة، ثمّ كارما جزء أصغر تُحَصّلها يومياً أو لحظة بلحظة. كلّ لحظة من حياتك هي فرصة لك حتى تفعل أو لا تفعل أمراً معيّناً. أحدُهُم وَجَّه لك إهانةً فأصبحتَ غاضباً. عندها تقوم بردّة فعل، تقومُ بفعل شيءٍ ما، أو إذا كنتَ واعياً شاهداً خارج العقل فسوف تشاهد الحدث ولن تغضب. لن تكون سوى الشاهد فلا تقوم بردّة فعل ولا بأيّ شيء. ستبقى متمَركزاً حاضِراً فلا يتمكّن الآخر من النزول بك إلى مقامه ولا يزعجك مُدخِلاً الإضطراب إلى نفْسك.

 

 

فإن نجح الآخر في استفزازك وقُمْتَ بردّة فعل، عندها تقوم كارما “كرييامان” بالتخَزُّن في مخزن كارما “سانشيتا” العميق. أنت إذاً تجمع مزيداً من الكارما من جديد، أنت تجمع لحيواتٍ مستقبلية آتية. وإنْ لم تقُم بردّة فعل فسوف تُمحى كارما ماضية لك وتُزال، أي سيتمّ انتهاء عمل كارما ماضية لك -كأن تكون توَجَّهْتَ بإهانةٍ لهذا الرّجل نفْسه الذي أهانك، في حياةٍ ماضية- والآن فقد أهانك هو، تساوى كلاكما وأُغلِقَ حسابكما. إنتهى الأمر. إنسان التأمل والشّهادة سوف يعتريه السّرور إذ انتهى -على الأقلّ- هذا الجزء من كارماته. قد خطى خطوة صغيرة على درب تحَرُّره.

 

 

جاءَ في أحدِ الأيام رجلٌ إلى بوذا وأهانه. بقيَ بوذا صامتاً ولم يرُدّ، بل أصغى له بإمعان، ثمّ قال: “أشكرك”. ذُهِل الرجل وقال لبوذا: “هل جُنِنْت؟ إني أهينك وأجرحك لترُدّ عليّ ببساطة وتشكرني؟” أجاب بوذا: “نعم، لأني كنتُ في انتظارك. قد أهَنْتُكَ في الماضي البعيد، وها أنا أنتظر لأنك ما لم تأتِ فحريّتي لن تكتمل. أنت آخر مَن تبقّى لي معه حساب. والآن فقد أغلِقَ الحساب فشكراً لك لأنك أتيْت. لكان باستطاعتك أن لا تأتي في هذه الحياة ولكان عليّ انتظارك من جديد. لن أقول أيّ شيء بعد الآن، كفى ما كفى. لا أريدُ خَلق سلسلة جديدة من قيد الموت والولادة والعودة من جديد”.

 

 

هكذا لن تُخَزَّن كارما ” كرييامان”، كارما الحياة اليومية في مخزن كارما “سانشيتا” ولن تُضاف إليه. في الحقيقة، لقد قلَّ مخزون المخزن الآن عمّا كان عليه قبلاً. الأمر نفسه ينطبقُ على كارما “برارابدا”، كارما حياتك الحالية بأكملها. إنْ استمرّيتَ في حياتك هذه بالقيام بردّات الأفعال ولم تتوقّف، فإنك تُضيف إلى المخزَن المزيد والمزيد. سوف تعود وتأتي من جديد مراراً وتكراراً. أنت تخلق الكثير من السَّلاسل. أنت تزجُّ بنفْسك داخل الكثير من القيود.

 

نتابع الحَضرة في الجزء المقبل

أوشو المستنير الحبيب عن أسرار الموت والكارما

احتفال من قلب وحال بشار



المكتبة - تنويه هام
Designed & Hosted by CoolesTech