أنت الآن تقرأ في قسم: أديان, شاطئ الإستنارة

“عناصر خَلْق النشوة الجنسية”:قداسة الجنس -4- في حَضرة أوشو

“عناصر خَلْق النشوة الجنسية”:قداسة الجنس -4- في حَضرة أوشو

ج1 هنا

ج2 هنا 

ج3 هنا

“أخبَرْتَنا بأنْ نغوصَ في الممارسة الجنسية، داخل ممارسة الحب بكامل كياننا وكلّ ما لدينا، بأنْ نستمتع ونشعُر بنعمة الجنس، بأنْ ننغمسَ فيه ونغدو رعشةً واهتزازاً عندما يبدأ الجسد بالإرتعاش.

ما الذي تُعَلِّمُنا إياه إذاً؟ التمسُّك بالجنس والإسراف فيه؟”

سؤالك هذا إنحراف. سؤالك هذا مصدرهُ شخصيتك المزيفة التي لا تكُفُّ عن طرح هكذا أسئلة من باطن لاوعيك. والشخصية المزيفة تقفُ عائقاً دائماً أمام استمتاعك بأيِّ شيءٍ في الحياة. شخصيتك المزيفة تقفُ ضدّك دوماً، شعارها: إيّاك والإستمتاع بأيِّ شيء على الإطلاق. شخصيتك المزيفة مُسَخَّرة لأجل تقديمك قُرباناً مُضَحِّياً بكلِّ سعادةٍ ومتعةٍ ولذّة. مُسخّرة لأجل تقديمك قُرباناً للآخرين، لأجل أن تُضَحي بمتعتك وسعادتك في سبيل إرضاء الآخرين. وهذه عناوين رنّانة تستترُ بمظهر الجمال ومُحَيّاه لأنك تربَّيتَ ونشأتَ عليها: “ضحّي بنفسك في سبيل إسعاد غيرك”. هذه عناوين تحيا في لاوعيك مُستعدةً لضخّ أحاسيس الذنب فيك إنْ استمْتَعتَ وتلذَّذْتَ في حياتك فتنعَتُكَ بالأناني. صفة الأنانية تتحوَّلُ داخلك إثماً وخطيئةً إذا ما نعتَك أحدٌ بها.

لكنّ علم التانترا المقدس يُخبِرُكَ بأنك وما لم تستمتع بنفْسِكَ بجسدك بأحساسيسك ومواهبك، ستكون عاجزاً عن مساعدة غيرك حتى يسعَد ويستمتع. أنت عاجز عن خدمة الآخرين ما لم تكُن في حالِ إشباعٍ ورضى واكتفاء. أنت خطر على المجتمع إنْ كان الجفافُ يسود أنهار النعمة والمحبة المُفتَرَض أن تتدفق وتجري بداخلك، لأنّ الشخص الذي يحيا تحت شعار المُضَحّي الذي يُضحّي بكلِّ شيءٍ لأجل الآخرين يتحولُ شخصاً ساديّاً دوماً.

إنْ استمرّت والدتك بتوجيه أحاديثٍ إليك من نوعية “أنني ضحّيتُ بعمري من أجل أن تكبُر. أنني ضحّيتُ بنفسي من أجلك أنت”، فاعلم أنها سوف تحوّل حياتك عذاباً. إنْ استمرّ الزوج بإسماع زوجته عبارات من نوعية “أنني ضحّيت من أجلك وأنني أتعب من أجلك”، فسوف يتحوّلُ مُعَذِّباً سادياً اتجاهها. سوف يُعَذّبها طيلة حياتها لأنّ التضحية مجرد حيلة لتعذيب الآخر.

هكذا تعي أنّ هؤلاء الذين يُضَحّون بأنفسهم مراراً وتكراراً هُم خطر لا يزال في طَور النموّ. ولكنه خطر شديد. إحذر منهم ولا تُضحّي بنفْسك لأجل أحد. الكلمة بحد ذاتها غاية في القُبح والبشاعة. إستمتع بنفْسك واملأ كيانَك نعمةً. كيانٌ صامتٌ خالي من المحتوى هو الكيان الوحيد الذي تجري فيه أنهار النعمة وتفيض حالمةً بأنْ تَصُبَّ في نفوس البشر، في معانقة أرواح البشر، في مشاركتهم حالها. لكنّ هذه المشاركة ليست بالتضحية. لن تُلزِم أحد بأن يكون مُمْتَنّاً لك أو أنْ يقدّم لكَ الشّكر. أنتَ مَن سيعتريه الشكر والإمتنان لأنّ الآخر ارتضى عناقَ نعمتك له. إنّ كلمات من نوعية “واجب” و “خدمة”  و “تضحية” ليست سوى كلمات قبيحة وعنيفة.

كثيرون أصبحوا “ماهاتما”، أي قدّيسين عُظماء. جميعُهم يعيشون في أوهام. ليس صَعباً أن تصبِحَ قديساً عظيماً. أنظُر إلى رجال دينك، إلى قدِّيسيك. يحاولون بشتى الطرق والوسائل تعذيبَ مَن يأتوهم طالبين رحمةً أو فَهماً. إلّا أن تعذيبهم لهم لا يُسِرّ عن نفسه بسهولة. تعذيبٌ مُستَتِرٌ هو. تعذيبهم يستترُ بعناوين رنّانة تُقنِعُكَ بأنّ هذا العذاب الذي تمرُّ به إنما يحدثُ لأجل مصلحتك، لأجل خلاصك. ولأنهم يعذّبون أنفسهم بدوْرِهم فإنك لن تتمكّن من توجيه الأسئلة إليهم. وأخطر أنواع التعذيب هي ذلك التعذيب الذي تتعرض له لأجل مصلحتك لأنك لن تتمكن من الهرب.

وما الخطأ في أن تستمتع بنفْسك؟ ما الخطأ في أن تكون سعيداً؟ الخطأ هو أن تكون بائس ومُحبَط وتعيس لأنك ستخلِقُ في حالِكَ هذا تموّجات ذبذبية كئيبة وحزينة تتراقص حولك وتسافر في كلِّ حدْبٍ وصوْب فتبلُغُ غيرك. كُن سعيداً. وممارسة الجنس، ممارسة الحب قادرة على أن تكون أعمق الطُّرق والوسائل التي تقودك إلى بلوغ النعمة.

التانترا لا تُعَلِّم الإنغماسَ في الجنس والهوسَ به. التانترا ببساطة تُسِرُّ بأنّ الجنسَ أداة بلوغ النعمة. الجنسُ مصدر للنعمة. مجرّد أن تختبرَ هذه النعمة ستفرِد جناحيْكَ وتُحَلِّق بعيداً لأنك بدأت تعي جذورك الأصيلة الممتدة عميقاً في أرض هذا الوجود. الجنس وسيلة كي تقفز في قلب الأبعد من الأبعاد والعقول والأجساد، وليس منزلاً تسكنُ فيه للأبد. هذا عِلم التانترا المقدس: استخدام الجنس كي تقفز في قلب الأبعد من الأبعاد. ما إنْ تختبَر نشوة الجنس التي يرتعش وينتفض لها جسدك بأكمله، ستفهم ما تحدّثت عنه الأسياد المستنيرة عندما ذكَرَت: النشوة العُظمى، النشوة الكونية الإلهية السرمدية الأبدية.

ها هي ميرا “الشاعرة الهندوسية الحكيمة وعاشقة كريشنا”، ترقص. أنتَ لسْتَ بقادِر على فَهم رقصتها، على فَهم أغانيها، على فَهمها. رقصتها radhe-krishna-lovely-imagesوأغانيها، جنسية. رمزيّة رقصتها وأغانيها هي رمزية جنسية. لا بدّ وأن تكون رمزيةً جنسية لأنّ الجنس هو الممارسة الوحيدة في الحياة البشرية التي تقود الإنسان إلى تجاوز الفكر والأنا والزمان والمكان، الممارسة الوحيدة التي تبلُغ به شواطىء الوِحدة والتوحُّد بعيداً عن الثنائية. وِحدة وتوحُّد وجودي بليغ وعميق حيث يختفي الماضي والمستقبل ولا تبقى سوى اللحظة الحاضرة التي هي اللحظة الحقيقية الحيّة الوحيدة في الوجود. هكذا استخدمَت الأسياد المستنيرة التي اختبرَت سرّ الأسرار وعاشت خفاياه وحدةً مُوَحَّدة مع الإلهي المقدّس، مع الوجود نفسه، استخدمَت رموزاً وصياغات جنسية دوماً لأجل التعبير عن تجاربها واختباراتها. لا رمزية أخرى تفي بالغرض غير الرمزية الجنسية. لا رمزية أخرى ترقى إلى الرسالة التي توصِلها الرمزية الجنسية.

الجنس مجرّد بداية وليس النهاية. لكنّ مَن يُفَوِّت على نفْسِه البداية لسوفَ يفوته قطار النهاية. وإنك لن تُفلِح إنْ قرّرتَ الهرب من البداية لأجل اللّحاق بالنهاية.

علم التانترا المقدس يُهديكَ مفتاحاً يفتح أبواب الفطرة والطبيعة. يبتغيكَ أن تحيا حياتك طبيعياً فطرياً دون زيف ونكران. الجنس موجود هدية من الوجود تحوي قدرات ومعجزات هائلة، فلتستخدمه إذاً. وما العيب في أن تسعَد وتستمتع بالجنس؟ جميع أخلاقكم وعاداتكم وتقاليدكم، جميعها ضدّ السعادة والمتعة. جميعها مصدراً للحزن والجديّة والكآبة. جميعها مصدر لأمراض العُصاب.

كُن صادقاً واستمتع فالسعادة ليست خطيئة، بل الحزن هو الخطيئة. البؤس هو الخطيئة.

ثانياً، إنّ التانترا هي عِلم. عِلم وبالتالي التانترا ليست أخلاقية وليست لا-أخلاقية. التانترا في أساسها عِلم. التانترا تنظُرُ إليك كما أنت فلا تسعى إلى تغييرك بل إلى دفعِكَ لاستخدامِ قدراتك الطبيعية الفطرية فتتحوَّل من خلال طبيعتك نفسها حتى تتجاوزها.

التانترا عِلم يدعوك إلى معرفة الحقيقة أولاً، مَن أنت، مَن هو الإنسان، قدراته طبيعته فطرته…. العِلم لا يخلق قيماً وأخلاقاً ومُثُلاً عُليا…. وأنت لا ترتدي أقنعة القيَم والمُثُل بل تعرَّف على نفْسك أولاً. لا تُفَكّر بما يجب أن يكون، بل انظُر إلى ما هو كائن حقاً. ما إنْ تعرف سرّ الموجود بداخلك حتى تتحوَّل من تلقاء نفسك. هذا هو السرّ الوحيد.

عِلم التانترا المقدس يطلُب منك ألّا تُعادي الجنس، لأنك وإنْ عادَيْتَ الجنس ستطرقَ أبوابَ الجنون. بدون أن تعي وتعرف ما هي الطاقة الجنسية، ممّا يتكوّن الجنس…. بدون أن تدخل عميقاً في قلب اختبار وتجربة الجنس وأسراره، بإمكانك خَلق مثال أعلى في رأسك، مثال بعيد عن الجنس، عن الجسد، لكنك ومِثالك هذا عبارة عن مجرّد كبْت. أنت إنسان مكبوت. والإنسان الذي يكبت الجنس ويقمعه هو إنسان جنسي مهووس بالجنس أكثر من الإنسان المُنغَمِس فعلياً في الجنس، لأنّ الإنغماس يُحَرِّر الطاقة. لكن الطاقة محجوزة من خلال الكبت تدور وتدور داخلك باستمرار.

يبدأ الإنسان الذي يكبت الجنس ويقمعه برؤية الجنس في كلِّ مكان. يبدأ بتخيُّل الجنس في كلِّ مكان. يغدو كل شيء بالنسبة له جنسيّ يدعو إلى الجنس. يبدأ بإسقاط الجنس على كلّ شيء. طاقته الجنسية المكبوتة المقموعة المختبئة تقومُ الآن بإسقاط نفسها وتجسيد صورتها. أينما نظَر سوف يجدُ الجنسَ ماثلاً أمامه فلا يرى سواه. ولأنه يدين نفْسه ويرجُمها سيبدأ بإدانة الآخرين ورَجمهم. سيبدأ بإدانة الجميع. الجميع في نظره يرتكبون ذنوباً وآثاماً عِظام. لن تجدَ داعياً للأخلاق ما عرفَ العنف لنفْسِه عنوان. جميعهم يَكيلون الإدانات بعنفٍ شديد. دعاة الأخلاق يدينون الجميع لأن الجميع في نظرهم يرتكبون الخطيئة. وبعد الإدانة يشعرُون بالإسترخاء لأنّهم قدّموا لأناهم الغذاء. ولماذا الجميع آثِم وخاطي في نظر المكبوت الداعي إلى الأخلاق؟ لأنه يرى وفي كلِّ مكان، ذات الشيء الذي يكبته ويخشى من مواجهته. هكذا يفيضُ الجنسُ داخل عقله ويتدفق. هكذا يحتلّهُ الهوسُ بالجنس أكثر فأكثر. هكذا يقرعُ الخوف بابه بقوةٍ أكثر مرة تلو الأخرى. هذا ليس من الطبيعة في شيء. هذا إنحراف.

يتجاوزُ الإنسان الجنس من خلال علم التانترا المقدس ويحلِّقُ بعيداً عنه، لكن دربه هو النقيض، نقيض الكبت إذ مُحال أن يلتقي الدربان، درب التحوُّل ودرب الكبت. علم التانترا يدعو الإنسان أولاً إلى الدخول في الجنس، التعرُّف عليه، كيفيّة استشعاره والإحساس به، كيفية قَطف ثمار معجزاته وأسمى قدراته المختبئة في أعماقه، فنّ بلوغ ذروة النشوة، فنّ اكتشاف الجمال الحسي، واكتشاف السعادة والنعمة المختبئة في أعماق الجنس، في أعماق الجسد.

حالما تعرف السرّ يصبح بإمكانك أن تتجاوزَ الجنس، لأنه وخلال بلوغ النشوة الجنسية العميقة، فإنّ الجنس ليس هو مَن يمنحك هذه النشوة واللذة والمتعة، هذه النعمة، بل شيء آخر. الجنس هو الوضعية والسياق فقط. شيءٌ آخر هو ما يمنحك النشوة، إحساس الذروة. يُقَسَّم هذا الشيء إلى ثلاثة عناصر. لكن لا تظنّ نفْسك بفاهمٍ لهذه العناصر لمجرد حديثي عنها بالكلمات. لا بدّ وأن تصبح هذه العناصر جزءاً من تجربتك. أما كمبادىء ومفاهيم، فهذه العناصر لا جدوى منها.

أنت تدخل أبدية لحظاتٍ تتنزَّلُ عليكَ نعمةً وخشوعاً واستسلاماً خلال النشوة الجنسية بسبب عناصرٍ أساسية ثلاثة. هذه العناصر هي: انعدام الوقت (الأبدية): حيثُ أنك تتجاوز الوقت تماماً، تخرج من الزمان تماماً خلال النشوة الجنسية. تنسى الوقت تماماً ولا يعود له وجود ويختفي من قاموسك. ليس أن الوقت قد اختفى، ولكنه اختفى بالنسبة لكَ أنت. ما عُدْتَ جزءاً من الوقت، ما عدْتَ تحيا في الوقت. ما عادَ لكَ ماضي ولا مستقبل. الوجود برُمّته يصُبُّ وجوده فيك في هذه اللحظة الحاضرة هنا والآن. ما عُدْتَ تملكُ سوى هذه اللحظة. وحدها هذه اللحظة تقدِّمُ لك إحساساً حقيقياً لا يمكنك وصفه. فإنْ تمكَّنْتَ من عيْش هذه اللحظة من جديد، إن تعلَّمْتَ فنّ استعادتها وعيْشها بما تحمله من نعمة، بدون جنس، فإنك لن تحتاج الجنس في حياتك بعدها. هذه اللحظة تعود لزيارتك وحدها بدون جنس من خلال التأمل.

العنصر الثاني هو أنك تفقِدُ “أناك/هويتك وشخصيتك” خلال الجنس. تفقدُها للمرة الأولى فتصبح كالأثير، هائماً وِسْعَ المدى. لذا دوماً ما يكون أصحاب الأنا المتحجرة، أصحاب التكبُّر والغرور والاستعلاء، في معاداة للجنس لأنّ الجنس يُذيب الأنا، يُفقِدهم هويتهم. الحبيب وشريكه يتوهان في قلبِ تيارٍ أكبر وأعظم منهما.

العنصر الثالث هو أنك تعود في الجنس طبيعياً وللمرة الأولى. تعود إلى طبيعتك وصِدقك. يتوه المزيف المُرَكَّب، يقع القناع، ويتهاوى المجتمع وترحل الثقافة وتختبىء الحضارة والرسميات ويختفي التحضُّر الذي تدّعيه في المجتمع. كل هذا يرحل. كلّ هذا يضيع. أنت تعود جزءاً من الطبيعة مثل الأشجار والطيور والنجوم. أنت جزءٌ من الطبيعة حقاً. أنت تطفو في قلب الكون، في قلب الألوهية. لن تطفو حتى لأنك لن تعود موجوداً.

هذه العناصر الثلاثة هي ما يمنحك نشوةً جنسية. الجنسُ هو السياق الذي تحدثُ فيه هذه النشوة طبيعياً. مجرّد أن تختبر هذه العناصر الثلاثة يصبح بإمكانك تعلُّم فنّ خَلْقِها بمعزل عن الجنس.

التانترا ليست هوساً بالجنس، بل تجاوز للجنس. لكنك لن تتجاوز الجنس إلا من خلال اختباره والدخول فيه، من خلال التجربة الوجودية وليس من خلال المفاهيم والفلسفات.

أوشو المستنير الحبيب عن أسرار وحقيقة وعلوم الجنس المقدّسة

احتفال من قلب وحال بشار



المكتبة - تنويه هام
Designed & Hosted by CoolesTech