أنت الآن تقرأ في قسم: أديان, شاطئ الإستنارة

الخوف من الحب-5-أوشو: خطَوات العُروج إلى السرّ المَهيب

الخوف من الحب-5-أوشو: خطَوات العُروج إلى السرّ المَهيب

ج1 هنا

ج2 هنا

ج3 هنا 

ج4 هنا

 

لماذا نخاف الحب؟

لماذا ننْتهِزُ الفُرَصَ حتى نهربَ منه أو نتحاشاهُ قدْرَ الإمكان؟

هل نخاف الحبَّ لأنه في نظرِنا القيْد الذي يُقيِّدُنا؟ السلاسل التي تُكَبِّلُنا؟

لكن الحبّ لا يُكَبِّل صاحبه ولا يُقيّده. إنه اختفاء الحب. إنه الحال بعد أن هجَرَت المياهُ شواطىء القلب وما عادت تتكسّر عليها. ما عادَ لها صدى مَسموع. خفتَ الصّوت وجَفَّ الحبُّ وفتَرَ كلُّ شيء. إنه هذا الضّعف مَن يُقيِّدُنا، هذا الفتور وليس الحبّ. إنه هذا الحبّ العاجِز يضعُ حول الأعناق قيْداً.  حبٌّ ذابِلٌ واهِنٌ مُرتعِشٌ خائِفٌ وحائر، يغدو قيداً يكتِمُ أنفاس الحبيب.

 

لكنّ حبّاً بالحياة مُفْعَم، حبّاً شغوفاً هائجاً هائِماً متدفِّقاً مثل الطوفان، يتّسعُ ويتّسع ليتمدَّد ويتقدّم ويُحَطِّم كلَّ العوائق والحواجز وكلّ سَدٍّ منيع. هذا الحبُ لا تحدّه السماء لأنه لا يعرف معنى لشيءٍ اسمه حدود.

 

لذا أقول لكم ضاعِفوا محبّتكم وابذلوا ما بوِسعكم حتى يبقى الحبُّ متدفِّقاً هائماً واسعاً شامِلاً يصبُّ في كلِّ اتجاهٍ ومكان. وذلك يتمُّ عندما يكون حُبُّكم حُرّاً لا قيود عليه ولا شروط له.

 

دعوا حبّكم يطوف. يفيضُ ويطوف وينساب. لا تحاولوا رَدْعه ولا مَنْعه. لا تُحَدِّدوه، بل دَعوه…. يطوف حتى يتعدّى الشّخصَ الذي كانَ السّبَب الأول في ارتفاع أمواج بحر الحبّ، في اهتياجهِ وتكسُّرهِ على شواطىء ذلك الشخص ناثِراً رذاذَ مائِهِ فوق كيانه. لا تدَعوا حبّكم يقِفُ عند حدود شخصٍ ما. لا تدعوه يقف في أيِّ مكان. لا تضعوا حجَراً وسط تيّاره. قد أوْدى الخوفُ من أنْ يتوانى الحبُّ ويتباطأ على دربهِ ومسارهِ، أوْدى إلى شكٍّ تمدَّدَ وانتشر في قلوبِ الروحانيين المزيفين. لكن إنْ تلكَّأ حُبّي عند منتصف دربي، فلم يتابع دربَ مسيره وصعوده وتحوُّله وارتقائه، فهذا ليس ذنبه بل ذنبي. عدائي للحُبِّ عندها لا عُذْر له بل هو مُبَرِّر لهَربي. الذّنْبُ هو ذنْب المُحِبّ دوماً لا ذنْب الحبّ أبداً. الحبّ يغدو راكِداً آسِناً دون حِراك، خالٍ من الحياة عندما يكون المُحِبُّ ضيِّقَ الأفُق، قاصِرَ الرؤيا، مُغلَق العقل وقصير النَّظَر. لن تُكسِبه مُعاداته للحبّ فوق انغلاق عقْله سوى اللؤم والعِناد. هكذا يضيقُ أفُق الحب، وتتدحرجُ الصخورُ وسط تيارٍ يتدفّق ويطوف…. هكذا تُغلَق الطُّرقات وتُسَدّ المسارات فيتوهُ الحبّ ويُمسي في غُربةٍ موحِشة وسط صحراء عقول رجال أديانكم وقادتكم المتدينين المزيفين.

ضاعِفوا الحبّ. دعوه يتحوّل فيضاناً يغمُركم حتى رؤوسكم فلا يبقى شيءٌ منكم ما غُمِسَ في الحب انغماساً وتَحَلَّل فيه وذاب.

واعلَموا أنَّ مَن خَسِرَ الحبَّ لن يجدَ إلا أناه تجلسُ وحيدةً في الإنتظار.

مَن خسِرَ حُبّه فقد ربِحَ وأنقَذَ أناه.

كما يُوَلِّدُ حَجَرٌ صغيرٌ نرميه في قعر بُحيرةٍ، فوق سطحِها تموُّجات دائرية تتّسع حتى يبلغَ تردُّدها شواطىء البحيرة، كذلك الحبُّ الذي يولَد في قلب الكيان، نرعاه ونضاعفه حتى يكبر ويتمدّد ويطوف… حركته وطوفانه في القلوب تُوَلِّدُ تموُّجاتٍ وأمواجَ طوافٍ تطوف وتدور تتراقصُ في قلبها الذبذبات كما أمواج المحيطات… وتظلُّ في رقصٍ وطواف حتى تبلغَ الشاطىء الأخير… حتى تبلُغَ شاطئاً يحضُرُ الله فيه حضوراً مَجيداً. هذا الحبُّ يُعادِلُ صلاةً متوهّجة متّقدة لا تنقطعُ أبداً.

لذا أحِبّوا جميع مَن حوْلِكم بشغفٍ وهيام. دَعوا الحبَّ يتدفّق فيضاناً وطوفاناً يغمرُ الناسَ مِن حولكم فيملأ كؤوسَهم ويغمرها ويفيض حتى لا يحتملوا من هذا الحبّ المَزيد. دَعوا هدَفكم يغدو مُضاعفةً لصوتِ هذا الحبّ الذي تُغنّيه قلوبكم بداخلكم. دعوه يكبُر ويفيض ويزيد حتى لا يحتمله أحد مِن حولكم عندما تفيض الكؤوس فلا يبقى سوى الله قادر على استيعاب حُبّكم واحتماله ومَنحه كأساً أبدياً يتلقّى الفيض المجيد. وحدُه الأبدي يحتَمِلُ الأبدي. وحدهُ اللامَحدود يستوعبُ اللامحدود. لا وجود لفاني بإمكانه احتمال طوفان الأبدي وفيضانه.

 

حُبّكم لا يتحوّلُ عائقاً إلا وقتما يقفُ في مكانٍ ما على الدرب، لسببٍ ما أو في سياقٍ ما. ولكنّ الحبّ الذي يتوقّف ويتلكّأ ويتحَجَّج ويتقَشَّف هو ليس بالحبّ، بل هو الشهوة، هو التعلُّق الحِسّي والهوَس الجنسي. تذكَّروا بأنّ الحبّ الذي يتوقّف في مكانٍ ما، عند فكرةٍ ما، عند مستوى ما، الذي يضعُ لتدفُّقه وتحَوُّله حَدّاً يتحوَّلُ ضلالاً ووَهماً وخداعاً، يتحوّل شهوةً وقيْداً. أما الحبّ الذي يستمرُّ بالهدير مثل أمواج البحار، بالتحوُّل والتدفّق ومتابعة المسير، إنما هو الصلاة المتَّقدة التي لا ينطفىء نور شمعتها الأبديّ أبداً، إنما هو الله نفسه، إنما هو غِبْطة الخَلاص الأبدي. طوبى لمَن ذاقَ هذا الحبّ. الحبّ وَحده قادِر ما لم يتوقّف عن الزّحف والتقدُّم، على تحريرنا. دعوه يزحَف ويتقدّم حتى يغمُر أيّ إنسان تقابِلوه وتلتَقوه في حياتكم تحت جناحه.

دَعوني أكرِّر. إني أحَفِّزُ فيكم حبّكم لأنفسكم، وحبّكم للآخرين. إياكم واعتبار الحبّ فساداً أو دناسةً. إهتموا به فقط حتى لا يتوقّف ويرقُد في مكان عند منتصف الطريق. هذا التوقُّف هو الضّلال وليس الحبّ. هذا التوقُّف يُغذّي فكرة الأنا، أنّ هذا لي أو أنّ هذا يتمُّ بي ومن خلالي. هكذا يغدو الإنسان قاسياً مستكبِراً أنانياً مُتَحَجِّراً. وإنها الأنا وأرواحكم المجيدة، كلّ واحدة منها بعيدة عن الأخرى بُعْداً ليس له لشدّته واتَساعه، قياس أو وَصف أو مَقال يُقال. الأنا والروح المجيدة، حالان لا يلتقيان.

مَن انقطَعَ حُبّه عن النموّ واتّخذَ لنفْسِه تحت كنَفِ الأنا ظِلّاً ومأوى، فقد عَبَّدَ طريقه نحو الجحيم. لا انقطاع لألمِ صاحب الأنا، صاحب الغرور والإستكبار، ولا نهاية لبؤسه لأنّ جميع أبواب النعمة والنعيم قد أغلِقَتْ في وجهه. وحدهُ الحبّ يفتحُ هذي الأبواب. هكذا يجدُ المُستكبِرُ المُتعالي الأناني أبوابَ الجمال والإنسجام قد أغلِقَت في وجهه. حُبُّنا قادر على فَتْحِ هذي الأبواب. الحبُّ هو مفتاح الخفايا السري يفتحُ أبواباً تُطِلُّ على مسْكَنِ الحقيقة والخير والجمال. هذا المفتاح العجيب لا يفتح سوى أبواب تُطِلُّ على الكمال والإكتمال. أما الغرور والإستكبار فيُغلِق هذه الأبواب.

يفتحُ الغرورُ والأنانية باباً آخرَ يقودُ إلى الجحيم. هذا هو الباب الوحيد القادِر على فَتْحِه.

تذكَّروا دوماً بأنْ لا وجود في الوجود سوى لهذيْن المِفتاحيْن. ولا وجود لأيِّ إنسان بإمكانه أنْ يحمِلَ المفتاحيْن في الوقت ذاته. هو نظامٌ قُدسيّ قرَّرَ أنّ بإمكان الإنسان حِيازَة واحد من هذه المفاتيح على حِدة. ذاك الرّاغبُ في حيازةِ واحد منهما عليْهِ بالتخَلّي عن الآخر. ومفتاح الحبّ لا يفتحُ قلوب البشر فقط، بل قلب كلّ موجود تحت شمسِ الوجود، سواء أكانت الصخور أو النباتات أو الحيوانات، أو روح الله المجيدة نفسه.

 

معروفٌ حول العالَم عن لوثر بربانك، عالِم النبات الشهير، محبّته الكبيرة للمملكة النباتية. كان قادراً على تحفيز النباتات للقيام بردّة فعل توافِق ما يطلُبه. قد تحدّث مع الشجيرات ذات الأشواك وقال: “أصدقائي، لستُم في حاجة لكي تخافوا من أحد. هذه الأشواك ليست ضرورية لأجل حماية النّفْس. أليس حُبي المُتدَفِّق دون نهاية بكَافٍ لأجل حمايتكم؟”. وقد أصْغَت له هذه الشجيرات الصحراوية ذات الأشواك في نهاية المطاف، فأنبَتَت له تعبيراً عن محبّتها نوعاً جديداً تماماً من النباتات خالية من الأشواك. ومتى ما سألهُ أحدهم: “كيف حقَّقْتَ هذه المهمة المستحيلة؟” كان يُجيبُ بحَزم: “بدافِع الحُبّ”.

وإني أوَدُّ أن أقول لكم أنا أيضاً، بأنّ المستحيلَ يغدو عادياً في الإمكان من خلال الحبّ. ولا وجود لما هو أعظم من الله، ولكن حتى الله نفْسه يُعَبِّر عن محبّته فيُصغي للحبّ.

ونتابع الحَضرة في الجزء المقبل.

أوشو المستنير الحبيب

احتفال من قلب وحال بشارعبدالله



المكتبة - تنويه هام
Designed & Hosted by CoolesTech