أنت الآن تقرأ في قسم: أديان, محراب التأمل

الدخول في قلب الظلام “تقنية شيفا الهادئة”، في حَضرة أوشو

الدخول في قلب الظلام “تقنية شيفا الهادئة”، في حَضرة أوشو

قال شيفا:

عند هطولِ الأمطار، وظلامُ اللّيلِ حالِك، شديد السَّواد….

أدخُلْ قلبَ ذاك السَّواد سَيِّداً لجميعِ الأشكال“….

توجَدُ واحدةٌ من مدارس الأسرار والخفايا…. واحدةٌ من المدارس الإيزوتيريكية التي قد لا تكون سيرتُها مَرَّت على مسامِعِكم. مدرسةٌ كانت تُعْرَف بمدرسة الإسِّينيين. تعلَّمَ يسوع المسيح في تلك المدرسة، إذ كان ينتمي لجماعة الإسينيين. وجماعة الإسينيون هي الجماعة الوحيدة في العالم التي تنظرُ إلى الله على أنه ظلامٌ مُطْلَق. القرآن يقولُ بأنّ الله هو النور، والأوبنشاد تقول بأنّ الله نور، والإنجيل يقول بأنّ الله نور. جماعة الإسينيون هي صاحبة التقليد الوحيد في العالَم، الذي يقول بأنّ الله سَوادٌ مُطْلَق، ظلامٌ مُطْلَق…. ليلٌ أبدي لا نهاية له.

sermon_mount0

وإنّ هذا حالٌ جميل. غريب، إلا أنه جميل يحملُ في طيّاته ويحتضن في باطن أعماقه الكثير. عليكم أن تفهموا المعنى، بعدها تصبحُ هذه التقنية ذات فائدة وأهمية. هذه التقنية كانت تُستَخدَم من قِبَل الإسينيين لأجل الدخول في الظلام، لأجل سَبْر أغوار وأعماق الظلام…. لأجل التَوَحُّد مع الظلام.

ما سِرُّ رموز العالَم أجمع التي رمَزَت إلى الله وأشارت له على أنه النور؟ ليس السبب أنّ الله هو النور، وإنما السبب هو خوف الإنسان من الظلام. خوفٌ بشريٌّ هو. يعشقُ الإنسانُ النورَ ويميلُ إليه، لكنه يخاف من الظلام ويفِرُّ منه، لذا يستحيلُ على البشر أن تنظرَ إلى الله على أنه ظلام، على أنه سَواد حالِك. هذا مفهومٌ بشريّ. ننظرُ إلى الله على أنه النور لأننا من الظلام خائفون.

آلِهَتُنا خُلِقَت من رحِم خوفنا. هكذا مَنَحْنا آلهتنا أشكالاً وتجسيدات وهيئات. نحنُ مَن فَصَّل للآلهة الأشكال والتجسيدات والهيئات. آلهتنا تعكِسُ صورتنا. آلهتنا مرآةٌ لنا تُرينا ما بداخلنا، تروي لنا نبذَةً عَنّا. آلهتنا تحكي عَنّا نحن وليس عن الآلهة نفسها. آلهتنا مِن خَلْقِنا. نخشى الظلامُ ونخشى الدخولَ فيه، فكان الله هو النور. إلا أنّ هذه التقنية وأمثالها من التقنيات، تنتمي إلى المدرسة الأخرى.

يقولُ الإسّينيون بأنّ الله هو الظلام، وفي هذا ما يبوحُ بالقيِّمِ من التجلِّيات والأسرار. أوّلُ البَوْح هو أنّ الظلام أبديّ ما أتى ولا ينوي الرحيل. يأتي النورُ ثمّ يرحل والظلامُ باقٍ مهما حدث ومهما كان. تُشرِقُ الشّمس عند الفجر ثمّ يحينُ أوانُ مغيبها عند المغيب فلا يبقى سوى ظلام. مَن ذا الذي يُشرِقُ لأجل أن يأتي الظلام؟ لا أحد، لأنّ الظلامَ دائماً مَوجود لا يحتاجُ مَن يأتي به إلى الوجود. الظلامُ لا يُشرِقُ أبداً ولا يغيب. يأتي النورُ ثمّ يرحل والظلامُ باقٍ مهما حدث ومهما كان. لا بُدَّ للنورِ من مصدرٍ ينبعثُ منه دوماً، أما الظلام فيَجْهَل للمصدرِ العنوان. لا مصدَر للظلام. وما له مصدَر يعجرُ عن أن يكون أبديّاً مُطْلَقاً لا يأتي ولا يرحل، لا يُشرِقُ ولا يغيب. وحده أبديٌّ سرمديٌّ مُطْلَق هو ذاك الذي لا مصدَر له. والنورُ يمازجُهُ شيءٌ من الإزعاج فتعجَزوا عن النوم بين أحضانه وعن الإسترخاء والخلود إلى المنام. أما الظلام، فمَهدُ النوم وسرير الأحلام والإسترخاء التام.

لماذا نخشى الظلام؟ لأنّ النورَ يتراءى لنا مُرتدياً عباءة الحياة، وهو الحياةُ حقاً. أما الظلام فيزورنا مرتدياً ثوبَ الموت، وهو الموت حقاً. النورُ مَعبَر الحياة ودربها، بينما تشعرُ عند زيارة لحظة موتك لك وكأنك تسقُطُ وتَهوي في قلبِ ظلامٍ أبديٍّ سَحيق. لهذا السبب كَسَيْنا الموتَ بلونِ الأسود، وألقَيْنا عليه وِشاحَ السَّواد. هكذا رسَمْنا الموت أسوَداً شاحِباً وتحوَّلَ السَّوادُ لَوناً للحِداد. الله هو النور، والموت هو السَّواد. لكن جميع هذه المفاهيم لا تعدو كَوْنها إسقاطاتٍ لمخاوفنا وانعكاسات. حقيقة الأمر هي أنّ الظلامَ أبديّ دون حدود، بينما النور محدود. يتراءى الظلامُ وكأنّه الرّحم الذي وُلِدَ وبدأ منه كلّ شيء…. السرّ الذي أتى منه، وابتدأَ معه كلّ موجود… يتراءى الظلامُ وكأنه المآب والحُضن الذي يعودُ له كلّ شيء… كلّ موجود.

هذا موقف الإسينيين. وهذا حالٌ في غاية الجمال. حالٌ يمُدُّ يدَ العوْن لسالِكي الدّرب، لأنكم وإنْ عانَقْتُم الظلام وأحْبَبْتُموه، فإنكم لن تخافوا الموت ولن تَخْشوه. إنْ استطَعْتُم الدخول والولوج في قلبِ الظلام (حالٌ يحدثُ في غيابِ الخوف فقط)، عندها تبلغوا استرخاءاً مُطْلَقاً تامّ. توَحُّدُكم مع الظلام هو لكم تحَلُّل وذوبان واستسلام. هو لكُم الفناء. وَدِّعوا الخوف بعد أن تتوحَّدوا بالظلام لأنكم تكونوا في قلبِ هذا الحال قد توَحَّدْتُم بالموت. الآن لا موْتَ بالنسبة لكم. لن تموتوا بعد الآن. تجاوزتم الموت وارتشَفْتُم من كأس أبديّةٍ لا تعرفُ للموت عنوان. الظلام عَصِيٌّ على الموت. الظلامُ لا يعرف الموت. النورُ يولَدُ ويموت، أما الظلامُ فحاضِرٌ مَوجود، لا يموت.

تتطلّب هذه التقنية ومثيلاتها من التقنيات موقفاً من العقلِ لا يخشى على ضفافه السَّواد ولا الظلام، وإلا كيف لكم أن تدخلوا هكذا تقنيات؟ على الخوف أن يتبخّر ويختفي أولاً. لذا، قوموا بهذا الأمر كخطوةٍ تحضيرية أولى: إجلسوا في الظلام، أطفِئوا الأنوار، واشعروا الظلام. بادِروا الظلامَ بإحساسٍ مُفعَم بالمحبة، واسمحوا له أنْ يُلامِسَكم. أنظروا في عيون الظلام. إفتحوا أعيُنَكم في قلبِ غرفةٍ مُظلمة أو وَسط ليلةٍ مُظلمة، ومِدّوا جسور الوَصل والوصال، ترافَقوا سوياً وادخلوا علاقةً تجمعكم سويّة.

تحتاجون بادىء الأمر أن تكونوا والظلام أصدقاء. والجميعُ نيام، إبقوا أنتم وحدكم مع الظلام. إبقوا معه ولا تفعلوا أيّ شيء. بقاؤكم مع الظلام كافٍ حتى يُنادي على أحاسيسكم فتُعانقه حين تشعرُ بأنه استسلامٌ واسترخاء. ما ذاقَ بعضُكم سرّ الإسترخاء في الظلام لأنه يخشى الظلام.

أمرٌ آخر عليكم أن تعرفوه: الخوفُ كان الدّافع حتى يعبُد الإنسان النار. تحوَّلَتِ النارُ إلهاً حينما تمّ اكتشافها. ليست النارُ بإله، لكن الخوف من الظلام جعلها إلهاً. لا يزالُ البارسيون يعبدون النار. تتحوَّلُ النارُ في الليل صديقاً، حامياً…. تتحوَّلُ رمزاً للأمان الإلهي.

عليكم أن تتجاوزا مخاوفكم اللاواعية من الظلام أولاً، بعدها تدخلون هذه التقنيات.

مخاوفٌ كثيرة سوف تدعوا نفسها لزيارتكم. أشعروا بها وكونوا واعين لها. إدعوها حتى تحضُرَ إلى ديار وعيكم وتُعلِن عن حضورها، تكشِفُ هويتها. عندما تزوركم المخاوف وتحضُر وتعلن عن نفسها، لا تفعلوا شيء، بل إبقوا شاهِداً واقفاً على التلال. يوماً ما، سوف ترحل هذه المخاوف دون رجعة ويصبح في استطاعتكم الجلوس في أحضان الظلام والإستسلام التامّ حالكم. ومع هكذا حال يتجلى لكم مقام الإسينيين الذي دفعهم إلى البوح بأنّ الله هو الظلام، الظلامُ المُطْلَق، فتفهموا مقالهم وتُقَدِّروه.

عند هطولِ الأمطار، وظلامُ اللّيلِ حالِك، شديد السَّواد….

أدخُلْ قلبَ ذاك السَّواد سَيِّداً لجميعِ الأشكال

من الظلامِ تولَدُ جميعُ الأشكال والتجسُّدات، وإلى الظلامِ تعود. عوالِمٌ تتجسَّد مخلوقَةً من الظلام، مصيرها العودة إلى الظلام. الظلامُ هو الرّحم، الرّحم الكونيّ. سكونٌ مُطْلَقٌ حيثُ لا لغْوٌ ولا كلام، سكونٌ مُطْلَق يسكُنُ قلبَ الظّلام.

يقولُ شيفا بأنه من الجيّد القيام بهذه التقنية في ليلةٍ ماطرة حينما يُخَيِّمُ السَّوادُ على كلّ شيء…. عندما تحجِبُ الغيوم بريق النجوم وأنوارها فتغدو السماءُ داكنة لا قمرَ فيها ولا شيء يُرى. “أدخُلْ قلبَ ذاك السَّواد سَيِّداً لجميعِ الأشكال“. كُنْ شاهِداً على ذاك السَّواد، بعدها ذُب في قلبِهِ وتَحَلَّل. إنه سيِّدُ الأشكال جميعاً. وأنتَ شكلٌ من الأشكال، قادرٌ على أن تذوبَ في قلبِه.

مع النور تظهرُ حدودك وهويتك ويتحدَّدُ شَكْلُك. في قلبِ النورِ أراك. جسدُكَ تعريفُك وحدودك. النور موجِدٌ للحدود. حدودٌ تتلاشى وتذوب وتختفي باختفاء النور وغيابه. لا شيء معروف في قلبِ الظّلام. لا شيء له حدود وسط الظلام. لا هذا ولا ذاك بل يتداخلُ كلّ مَوجود في غيره ويتوحَّد ويذوب، دون تحديد، دون تقسيم، دون تعريف. تختفي الأشكالُ في قلبِ الظلام وتصبحُ في غياب.

لعلَّ هذا واحدٌ من أسبابِ خَوفنا من الظلام. أنتم تخسَرون هويّتكم في الظلام، ما تُعَرِّفونَ به عن أنفسكم. مَن أنتم في الظلام؟ لا الوَجهُ يُرى ولا الجسد، فمن سوف يعرِفُكم؟ كلّ شيءٍ يدخلُ وجوداً خفيّاً لا شكلَ له. أين وجودكَ المُحَدَّد الذي تعرفه وتألفه؟ وجودك في الظلامِ مجهول. يتحوَّلُ الوجودُ غموضاً مُبهَماً، يتسلَّلُ الخوفُ إلى النفوس، حيثُ بِتَّ تَجهَلُ مَن تكون في أحضان الظلام. الظلامُ يَطْمُسُ معالِمَك، يُبَعثِرُ هويّتك. ترتعشُ الأنا عندها وترتجف في غياب التعريف والتحديد والشّكل. تعجزُ الأنا عن تأدية دورها في الظلام، فيدُبُّ الخوفُ فيك ويسري في أوصالكَ. تشعرُ بحاجتكَ إلى النورِ حتى تجمَع شَتات نفْسِك.

التأمُّلُ والتفكُّر والتدبُّر في الظلام أسهَل منه في النور لأنّ النورَ يخلِقُ المسافات. الظلامُ يختصِرُ المسافات ويلغيها. في النور يظهرُ القبحُ والجمال، الفقرُ والثّراء. تظهرُ الشخصيات والألقاب والمراتب والمستويات…. المثقّف والجاهل، القديس والآثِم. النورُ يُعَرِّفُ عنك من خلال خَلق مسافة بينك وبين غيرك. الظلامُ يحتضنك ويغمُرُك ويغلِّفَك ويحاوِطك، يتقبَّلُكَ ويقبَلُكَ بدون أيّ تعريفات، بدون مسافات. هكذا سهلٌ عليك التوحُّد في قلبِ الظلام.

أدخُلْ قلبَ ذاك السَّواد سَيِّداً لجميعِ الأشكال“.

كيف لكَ أن تلِجَ السَّواد وتدخلُ فيه؟

ثلاث خطوات….

dark-darkness-girl-light-lost-Favim.com-118417

أولاً: حَدِّق في السَّواد. صعبٌ نعم لأنّ التحديق في نور شمعة أو أيِّ مصدرٍ للنور، أسهل. مع النور يتّضح الإتجاه، وتظهرُ أداة النور ومصدره فينصَبُّ التركيز ناحيته. الظلامُ لا اتجاه له ولا عنوان ولا أداة. الظلامُ في كلِّ مكان يُحيطُ بكَ من كلِّ جانب. لا مصدر للظلام. حَدِّق في الفراغ الذي يُحيطُ بكَ من كلِّ مكان وانظُر إليه فقط. إسترخي وانظُر إليه. سوف يبدأ بالتسَلُّل إلى عينيْك والدخول فيها. أنتَ تدخُلُ قلبَ الظلامَ عندما يبدأ الظلامُ بدخولِ عينيْك.

أبقِ عينيْكَ مفتوحتيْن وأنت تقومُ بهذه التقنية في ليلةٍ مُظْلِمة. لا تُغلِق عينيْكَ لأنّ نوعيّة الظلام تختلف بإغماض العينيْن. الظلامُ المتجسِّدُ نتيجة إغماض العينيْن هو ظلامك أنت. هو ظلامٌ ذهنيّ وليس حقيقيّ. هو ظلامٌ سلبيّ لا إيجابيّ. ها هو النورُ موجودٌ هنا: أغمِض عينيْك لتكونَ في قلبِ الظلام. ظلامٌ هو مُحَصَّلِة إغماض العينيْن ليس سوى صورة سلبية للنور، مثلما تنظُرُ إلى النافذة ثم تُغمِض عينيْك فتتجسّدُ لك صورة أو نسخة سلبية عن النافذة. تجربتنا يُحيطها النور ويُلِمُّ بها، لذا عندما نُغلِقُ أعيُننا نحصلُ على تجربة سلبية لهذا النور. تجربةٌ سلبيةٌ نَدعوها بالظلام. ظلامٌ مزيّف وليس حقيقي. ظلامٌ لا جدوى منه في هذه التقنية.

إفتَح عينيْك وابقَ بعينيْن مفتوحتيْن في قلب الظلام، ولسوف تختبرُ نوعاً مختلفاً من الظلام. سوف تختبرُ ظلاماً إيجابياً موجوداً منذ الأزل. حَدِّق فيه. حدِّق في قلبِ الظلام. قد تدمع عيناك أو ينتابهما ألم. لا تقلق، تابع التحديق في الظلام. وفي اللحظةِ التي يدخلُ فيها هذا الظلام الأزليّ، الظلام الحقيقيّ عينيْك، سوف يمنحُكَ إحساساً يُرَفرِفُ اللطفُ في سمائه والسكون العميق.

دخول الظلام الإيجابيّ الحقيقيّ فيك حتى يملأ كيانك، هو بداية لاستفراغ الظلام السلبي منك وإفراغِكَ منه. عمليةٌ داخليةٌ عميقةٌ هي. أنت لا تحوي بداخلك إلا السلبيّ من الظلام. ظلامٌ يُعاكس النور ويناقِضُه. ظلامٌ ضِدّ النور. الظلامُ بداخلك لا يعني غيابَ النور. هو ظلامٌ ضدّ النور. ليس بالظلام الذي يتحدثُ عنه شيفا فيَنْعَتُه بأنه سيّد الأشكال أجمعين. ليس بالظلام الأزليّ القديم العتيق قِدَم الوجود. قد فقَدْنا الوَصْل والتواصل والوصال مع هذا الظلام الحقيقي الأزلي العتيق. الظلام الذي تحدث عنه الإسينيون، وشيفا.

لذا ستكون التقنية صعبة في بادىء الأمر، إلا أنك وإنْ استطعْتَ القيام بها، لسوف تكتشف معجزتها وسحرها. كيانك الجديد سوف يُبعَثُ ويقومُ عندها. إنّ الظلام حين يدخلك، تدخلهُ أنتَ في المقابل. عمليةٌ مُتَبادَلة هي. ليس بمقدورك دخول أيّ ظاهرة كونية دون دخول هذه الظاهرة الكونية فيك.

في أحضان هذه التقنية ووسط هذا الظلام الحالِك، تصحو جميع المخاوف العتيقة. تُبعَثُ جميعُ المخاوف اللاواعية التي طاردَت أسلافك من البشر. سيتحتَّمُ عليكَ مواجهة وحوش…. سوف يتحتَّمُ عليكَ مواجهة لاوعيك أنت. ولاوعيُكَ يحوي بداخلهِ البشرية بأكملها، تاريخها. سيبدو الأمر وأنت تواجه لاوعيك وكأنّك تعبُرُ ممَرّاً عبَرَتْهُ البشرية… ممرٌّ يُريكَ ما اختبَرَتهُ وما مَرَّت به البشرية. الكثير والكثير من الأشياء سوف يُبعَث من باطن لاوعيك العميق السحيق. جميع الأشياء التي تُبعَثُ من باطن اللاوعي تبدو وكأنها حقيقية. وقد تخافها وتخشاها وترتعدُ منها، لأنها ستبدو حقيقية جداً، وكأنها متجسِّدة حقاً. لكنها جميعها مخلوقات يخلقها ذهنك. هي خَلقُك الذهنيّ لا أكثر.

الكثير من المجانين الموجودين داخل المصحات النفسية لا يُعانون سوى من مخاوف بدائية قديمة عتيقة مرّ بها أسلافهم بل والبشرية بأكملها. مخاوفٌ قامَت في داخلهم واندَلَعَت وبُعِثَت. المخاوف موجودة، والمجانين خائفين يرتعدون في كلِّ لحظة من لحظات حياتهم. ورغم كلّ التطوّر إلا أنّ جميع المعالجين لا يزالون عاجزين عن مساعدة هؤلاء في إفناء هذه المخاوف الأزلية العتيقة البعيدة في تاريخها، في تبخُّرها. إنْ تمَكنّا من مساعدة المجانين حتى يتأمَّلوا في الظلام، لسوف يختفي الجنون.

وحدها اليابان يوجَدُ فيها القلائل ممّن يعملون في هذا التوجُّه والاتجاه. إذ يتصرفون مع المجانين بطريقة مختلفة تماماً. فإذا أصيبَ أحدهُم بجنونٍ ذهاني أو عُصابي، فإنّ الطريقة اليابانية تقتضي السماح له بأن يعيش في عُزلة لمدة ثلاثة أو ستّة أسابيع، بحسب ما تحتاجه الحالة. يسمحون له بالعيْش في عزلةٍ فقط دون أن يزورَه طبيب أو محلِّل نفسي. يتمُّ تأمين الطعام له والإهتمام بحاجاته، ويدَعوه كي يحيا وحده.

في الليل يخيِّمُ الظلامُ على المكان ولا شيء سوى الظلام. سوف يُعاني هذا المريض بكلِّ تأكيد، ويمرُّ بمراحلٍ مريرة كثيرة وحده بدون أيّ مُعاوِن أو رفيق. عليه مواجَهة جنونه بنفْسِهِ مباشرةً، وجهاً لوجه. بعدها يبدأ هذا الجنون بالتلاشي والإختفاء، بمرور ثلاثة أو ستة أسابيع. لم يفعل أحد أيّ شيء. جُلَّ ما في الأمر أنهم تركوا هذا الشخص وحده. هذا هو المقياس بالنسبة لهم.

لقد ذُهِلَ أطباء النّفْس في الغرب إذ لم يتمكّنوا من فَهم ما الذي يحدثُ حقاً، بينما يعملون هُم لسنواتٍ مع المريض، يُحَلِّلون ويعالجون ويفعلون كلّ شيء دون أن يتركوا الشخص الذي يعالجونه وحده. هُم لا يمنحوا هذا الشخص أيّ فرصة لمواجهة لاوعيه مباشرةً وجهاً لوجه، لوحده. لكنك كلّما قدَّمْتَ له مزيداً من المساعدة كلّما ازداد عَجزه وضعفه، لأنّ اعتماده عليك سوف يزداد. والسؤال الحقيقي يكمُنُ في قلبِ مواجهةٍ داخلية يجب أن تحدث. ليس في استطاعة أحد أن يقدِّم المساعدة حقاً. لذا، فمَن يعرِف يسمح لك أن تواجه نفسك وحدك.

يجب أن تصِلَ إلى وِفاقٍ وتصالُحٍ مع لاوعيك. وهذه التقنية على الظلام قادرة على امتصاصِ جميع الجنون الموجود داخلك تماماً. جَرِّبها. بإمكانك أن تُجَرِّبها في منزلك. كلّ ليلة، إبقَ مع الظلام لساعة واحدة. لا تفعل أيّ شيء سوى التحديق في الظلام. سوف يُخالِجُكَ إحساسٌ بالتحَلُّل والذّوبان، وسوف تشعرُ شيئاً يدخُلُك وبأنكّ تدخُلُ شيئاً.

أن تبقى وتحيا مع الظلام فترة ثلاثة أشهر، لمدّة ساعة يومياً، وها أنتَ تفقِدُ بعدها كلَّ إحساسٍ بالفردية، بالإنفصال، بالشخصية. بعدها لن تكون جزيرة مُنفَصِلة عن الوجود وما هو مَوجود. بعدها ستكون مُحيطاً يَحوي ويحويه كلّ موجود. سوف تتوحَّد مع الظلام. والظلامُ أزليّ يُحيط بكلِّ موجود من كلِّ جانب. لا شيء شاسع واسع أبديّ دون بداية ٍ أو نهاية مثل الظلام. ولا شيء قريبٌ منك مثل الظلام، ولا شيء أنت تخشاه وترتعدُ منه مثل الظلام. الظلامُ موجودٌ بجانبكِ، جداً قريب…. موجودٌ في حالِ انتظار.

عند هطولِ الأمطار، وظلامُ اللّيلِ حالِك، شديد السَّواد….

أدخُلْ قلبَ ذاك السَّواد سَيِّداً لجميعِ الأشكال

ثانياً: إستلقِ واشعُر أنك بجانبِ والِدَتك. الظلامُ هو الأمّ. أمُّ الكلّ أجمَع.

فَكِّر: قبل الأوقات والدهور والسنون، قبل كلّ شيء، قبل اللاشيء نفسه، ما الذي كان؟ ليس بإمكانك التفكير في وجود أيِّ شيءٍ سوى الظلام. إنْ اختفى كلُّ شيء وما بقيَ أيّ شيء، ما الذي سوف يبقى؟ الظلامُ وحده هو مَا سيكون موجوداً.

الظلامُ هو الأمّ، هو الرَّحِم، لذا إستلقِ واشعُر أنّك تستلقي داخل رحِم أمّك. حالٌ حقيقيٌّ هو، لذا ستشعُر بالدفء. عاجلاً أم آجلاً ستبدأ الشعور بأنّ الظلام، هذا الرّحم يُحاوِطك ويغمُرك ويُحيطُ بكَ من كلِّ جانب. أنت في قلبِه.

وثالثاً: وأنت تتحرك، أو تذهب إلى عملك، تمشي، تأكل أو تفعَل أيّاً ما كان، فلتحمِل شيئاً من هذا الظلام بداخلك أينما توجَّهت. ذلك الظلام الذي دخلَ فيكَ وسكَنَك، إحمِلهُ معك. هكذا يغدو الجسد بأكملهِ مُسترخياً هادئاً ساكناً لطيفاً، فيشعرُ الآخرون ويستشعرون هكذا هالة. إلا أنّ بعض الناس قد يخافون منك ويهربون. لن يكون بمقدورِهِم احتمال هكذا كيان صامت، في صمته صمت الدهور والسنون وما قبل الأوقات جميعاً. سيكون هكذا أمر فوق قدرتهم على الإحتمال.

سوف يهربُ منك إن حمَلْتَ الظلامَ معك، مَن يخشون الظلام ويخافونه. لن يقتربوا منك. والجميع يخافُ الظلام. سوف تشعرُ بأصدقائك وهم يهُمّوا بتَركِكَ والإبتعاد عنك. عائلتك قد تنزعج بينما تدخلُ أنت عليهم، لأنك تدخلُ كعبقٍ هو رسول الصمت الأزلي، والجميع يهوى الكلام والحديث والتعبير بانفعال. سوف يَصعُبُ عليهم أن ينظروا في عينيْك إذ تُصبِحُ عيناكَ أودية عميقة سحيقة لا قرار لها. سيُصابُ مَن ينظُرُ في عينيْكَ بالدُّوار… يا لهُ من فراغٍ لا قعرَ له ولا قرار ذاك الذي في عينيْك، ويا لهُ من إحساسٍ بالنسبة للناظرِ إليك.

إلا أنّ الكثير والكثير من الأحاسيس سوف يزورك. سوف يستحيلُ عليك الشعور بالغضب. حَمْل الظلام داخلك يُخفي كلّ شغف واهتياج، فيستحيل بعدها الغضب. لن تشعر بأنكّ رجل ولا إمرأة. بل ستشعُر بأنّ تلك الكلمات باتت جوفاء لا معنى لها ولا فائدة منها. أنت مَوجود فقط.

قد استخدمَ الصوفيون هذه التقنية. فِرقة محددة من الصوفيين هي التي استخدمت هذه التقنية. فرقة كانت معروفة بالصوفيين السُّكارى. قد سَكِروا بالظلامِ وثَمِلوا. كانوا يقوموا بحَفرِ حُفَرٍ في الأرض ثمّ يستلقون فيها كلّ ليلة، ويتأمّلون وهم في داخل الحُفَر. يتأملون الظلام ويتوحَّدون معه. وحينما تنظرُ في عيونهم تشعُرُ بأنهم مَخمورون، ثَمالى، في حالة سُكْرٍ. بإمكانك أن تستشعر من عيونهم استرخاءً شديداً، ذبذبة استرخاء عميقة. هذه فرقة كان تُعرَف بالصوفيين الثَّمالى. لقد ثَمِلوا بالظلام.

أوشو المستنير الحبيب، شرحاً لتقنية شيفا عن الدخول في الظلام

احتفال من قلب بشار



المكتبة - تنويه هام
Designed & Hosted by CoolesTech