أنت الآن تقرأ في قسم: إنسان, جنّة الروح

حالُ عشق صوفيّ

حالُ عشق صوفيّ

بداية الحكاية هي لرحلة الحج من الرأس إلى القلب فالروح عنوان… بداية الحكاية تبوح بأن خلَقَ الخالق طرقاً بعدد ما خلَقَ من خلْق. وأقرب الدروب قلبٌ من كل محتوى فارغ في لبّ ألباب كل إنسان. قلبٌ يسكنه حيٌّ أقرب من حبل الوريد. هكذا تبدأ رحلة الصوفيّ ويحلو له على درب معشوقه الله أن يسير.

 

درب الصوفي مفتاحها القلب. فالصوفية حال عشقٍ وهُيام بين عاشقٍ ومعشوق على مرّ الليالي والأيام. حالٌ يُذيب الصوفي ويَفنيه… وجود الصوفي لا يخُصُّه ولا يَعنيه. قد مات في حبّه لمحبوبه قبل أن يموت، فاحترق بنار العشق تحرقه وتنشره وتطويه ثم تُعيده لتبعثه وتُحييه.

 

 الصوفية رحلة من الفناء إلى الفناء، من الأحد إلى الأحد، من اللامكان عبر المكان ثم إلى اللامكان. الصوفية دائرة عشق يطوف فيها العاشق من نقطة الصفر إلى نقطة الصفر. يطوف ليذوب ويفنى … لأجل أن يكون … طوافه كُن وحالُهُ في قلب الله يكون، حينما يرحل حضوره الواهِم فلا يكون. إنها اللوحة الأولى حيث العاشق يطوف في خرابة العاشقين ومعبَد الزاهدين، معبد اللاشيء، مُلتقى الفناء حيث لا يتمّ أي لقاء. حيث يلتقي الله نفسه بعد غياب النفوس. حيث تجتمع الحَضرة بعد رحيل ذات الحضور. حيث العاشق يطوف راقصاً مع رقصة الكون الأبدية. الكون في حركة طواف سرمدية من بداية اللابداية حتى نهاية اللانهاية. من الذرات والإلكترونات تطوف حول النواة إلى الأرض تطوف حول الشمس وحول نفسها. حركة دائرية، رقصة كونية هي للراقص باب يُفنيه فكراً ورغبةً وانفعالاً. بابٌ تخرج منه الأنانية، فتوَدِّع الأنا صاحبها وتبقى النيّة.

 

الموسيقى رفيقةُ الصوفي تسحر الألباب. الموسيقى والطواف لسرّ الأسرار باب. الحركة تولّد الذبذبات والصوت يولّد الذبذبات. والذبذبات طاقة وكهرباء. نور من نور يَسري. إله يتجسّد فينساب خَلقاً وفي كل اتجاه يجري. جسد الصوفي يطوف هو للأرض رمز. وقلب الصوفي الذي لا يعرف سوى الحب هو للشمس رمز. الأرض حول الشمس تطوف كذلك هذا العابد، جسده حول مقام القلبSUFI DANCER vii 120x100 يطوف. درب الصوفي مفتاحه القلب، فما وسعني أرض ولا سماء إنما وسعني قلب عبدي المؤمن. راحة كفّه الأيمن تستقبل السماء فتتلقى النور طاقة سماوية من السماء إلى الأرض. وراحة كفّه الأيسر تستقبل الأرض خادمة للخليقة فتتلقى النور طاقة أرضية تصاعدية من الأرض إلى السماء.

 

متأمِّلٌ خاشعٌ شرب من كأس المحبة رشفات. زارت الثقة كيانه نُسيماتٍ رقيقات. وليٌّ ولّتهُ الألوهية أميراً على بصيرته التي لا تزول. لا يلتفِت لما حوله من أصوات… صوت الله فيه همَسات. دخل غارَه وتربَّع على عرشٍ وسط جبينه فرأى عالماً أكبر انطوى فيه. سائرٌ هو على باب الله إلى خير الجماعات. جماعة ذِكر وتذكُّر واستذكار الحبيب. ليرقص معهم رقصة الفناء مُعلنةً غياب الأنا التي لاتزال في كل لحظةٍ تغيب. سائرٌ لا يعرف إلى أين… عابرُ سبيل على هذا الممرّ نحو المستقرّ. يتابع المسير… لا هدف ولا تفكير… قد ذاب وفنى ومن بقيَ ليحدد الهدف والمصير؟ لن يصل أحد. سيصل ولا يصل في آن. لا مكان ليصل إليه. هو في قلب الله هنا والآن. هو في كل مكان خارج حسابات الفكر والزمان.

 

والناسُ ساكِنةُ العقل تشكو، وتسأل تريد الجواب. فيردُّ المتأمِّلُ دوماً بحكاية. لا جواب من قلوب الأحباب… أحباب الألوهية. أصحابُ العقول تسأل ومن السائل؟ العقل هو الذي يسأل، والصوفيّ دربه داخل القلب مفتاحها. الصوفيّ يُجيب السائل وليس السؤال. شغف الصوفي المحبة تشتعل فتحرقه وتفنيه. الصوفيّ يقوده الحنين… الصوفي مجنون من المجانين. يردَّ على السائلين بحكاية من أجمل الحكايات. ما أقربها إلى القلب تختصر شروحاتٍ طويلات.. أحداثها بسيطة تحوي معانٍ مقدَّسات.

 

هي حكايته قبل أن يصحو من نومِهِ ويحتفلُ بحقيقتِهِ ويبوح بعشقِهِ، هي حكايتهُ منذ زمنٍ فات… يحيا في دنيا التعلقات … وسط ما له بداية ونهاية ككلّ الأشياء الفانيات … لكنّ الصوفي كان يحيا بذرةً في تربة قلبه منتظراً أن تأتيه الإشارات. ها قد أرسل المحبوب الدعوات. والمحبوبُ سيِّدٌ مستنيرٌ أو كيانٌ مُنيرٌ أو مجهولٌ من الغيبِ لا شرحٌ له ولا تفسيرٌ، فمن يهتمّ؟ المحبوبُ فتح داخل دنيا النّيام نافذة عبَرَت منها نسائم مُلهِمات… لبّى صديقُنا الدعوات. تبِعه، لم يسأل كيف وإلى أين بالذات. الثقة أجمل زاد. لا مكان لصوت العقل داخل باحات الصوفي بل لهمس القلب يُغرِّد بأعذب التغريدات. وصل وجلس في صمتٍ تخجل من حَضرَته الكلمات.

 

سكَن وجلسَ ينظرُ داخل قلبه يراقبُ محتواه، والقلبُ شفافٌ كالماء. والماء للناظر انعكاس. الماء صفحة الزمان مخطوطةٌ عليها الأشكال الفانيات. ما بدأ ينتهي وما لم يكُن له قبل السنون والأيام والساعات وجود، ولن يكون له إلى الأبد خلود، هو الوهم يدّعي أنه على مرآة الحياة موجود. قد شهِد صديقُنا على الوهم المحدود. ومن الوهم إلى علمٍ من العليم. قد علِم ما هو ليس بمولود. ما لم يولد ولن يموت فيه وفي كل موجود. من الشكل إلى الجوهر إلى الحيّ المدَد الودود.

 

بمرورِ الأيامِ بدا للناس من حوله وكأنه مجنون. كيف لمن ذاق من كأس المحبوب رشفة ثم التفَت فلم يجد الكأس، أن لا يُصاب بالجنون. ها هو يسقط ليرتفع في بئر الكيان لحظات. زار جنّة الصمت والصفاء بعيداً عن الفكر لحظات. للحظةٍ ظهر الله وغاب هو. ثمِل بأسرار مقدسات. ها هو أحياه الوَجدَ ثم فارقه وأضناه. سقط ليرتفع في بئر الكيان وَجْداً زار فيه رياض حقيقة من يكون فاختطَف من مشاهِدها لمحات ونظرات… اشتمّ من عبيرها نسمَات… زفَر في بُعده عنها عبَرَات. ثم عاد يروي للناس أغرب الحكايات. سيبحث ويبحث ويصبح على درب البحث صوفياً حتى يزوره الوجد ولا يرحل عنه أبداً مدى الحياة.

 

صوفيٌّ متأمِّلٌ عاشقٌ مشى رحلته من هنا إلى هنا … مات قبل أن يموت فعرف مع معشوقه الله معنى الأمان والاطمئنان. قد مات قبل أن يموت فلم يبقى أحد حتى يموت. مرَّت السنوات. كَبُرَ الجسدُ وشاخ. أخبَر الناسَ بأن الحُفَر للأحياء والقبور للأموات، وهو حيٌّ يستعدُّ للعبور … قبره ممرّه … يا لسحر البيان. أعادَ أمانة الجسد إلى التراب. الموت من الظلمات إلى النور باب. الموت بوابة يعبر منها السالك داخلاً محراب الأبدية. الموت نشوة كونية. الموت ذُروة التدين تختفي عند قممها الثنائية، تتجلّى الوحدانية فتتوحَّد الروح مع أصلها ومصدرها بحميمية. الموت عطر وردة محبةٍ صوفية جورية.

 

إستسلم صديقُنا وفي استسلامه للألوهية، لأسرارٍ طبيعية كونية معانٍ أبلغ من كلام الحكماء. للموت، للحقيقة الوحيدة أسلَم واستسلم دون عناء. قدّر الله وفعل ما شاء. أقبَل المساء… حان وقت الرحيل، والراحِلُ شاهدٌ يشاهد ويشهد ويذوب مع هكذا حال… حال مَن قدّم نفسه لله قربان… حال المحبة والعرفان… حال الصفاء… حال الفناء.

من قلب وحال بشار



المكتبة - تنويه هام
Designed & Hosted by CoolesTech