أنت الآن تقرأ في قسم: إنسان, نسائم القلب

أوشو، الصَّبرُ على مصاعِب الحياة

أوشو، الصَّبرُ على مصاعِب الحياة

مُشكِلَتُكُم الوحيدة مع الحزن، مع الإحباط، مع الغضب، مع القلق، مع المعاناة والبؤس والشقاء…. أنكم تريدون الفرار منها…. الفرار بعيداً جداً… أنكم تريدون منها الخَلاص. هذا عائقكم وحاجزكم. هذه مُشكِلَتُكم.

 

تعلَّموا فنّ العيْش معها… ما من طريقٍ مُتاح وما مِن دربٍ أمامكم مفتوح حتى تلوذوا بالفرار… إنها الأرض التي تقفُ عليها الحياة rainحتى تَكْتَمِلَ وتنمو وتَسمو. إنها تحدِّيات الحياة. تقَبَّلوها جميعاً ولا تحاولوا الهربَ منها. إنها النِّعمةُ ترتدي ثوب المِحنة فتذكّروا مَن يختبىءُ في الداخل ولا يستغفِلكم الرِّداء. تولدُ المشاكلُ حينما ترغَبون بالخلاصِ منها، عندما تفكِّرون بالهرب بعيداً عنها، والسبب يكْمُنُ في أنّ الهاربَ من شيءٍ ما لن ينظُرَ في عيونِ ذلك الشّيء مباشرةً أبداً، لن يُلاقيهِ وجهاً لوجه حقاً. هكذا يبدأ ذلك الشيء بالإختباء منه حيثُ أنه لا يريد أن يراه. هكذا يبدأ ذلك الشيء بالسَّفَرِ بعيداً وعميقاً في أودية اللاوعي المُظْلِمة… هكذا يختبىءُ في أكثر زوايا الكيان ظُلمة حيث مُحال أن تتَّضِحَ الرؤية فلا يُمكنه إيجاده بتاتاً. آخر غرفة داخل الكيان، الغرفة المَلجأ داخل الكيان هي ملاذ ذلك الشيء. تراهُ كلَّما أبحَرَ داخل الكيان عُمقاً، خلقَ مشاكلَ أكبر وأعظمَ حَجِماً، حيثُ أنه بدأ يعملُ ويتمَدَّدُ من قلبِ الزوايا المَجهولة، من داخل الغُرف المَهجورة في أرْوِقَة الكيان فيغدو الإنسان في مواجهته عاجِزاً ضعيفاً لا حيلَة له.

 

لذا، فأوّل ما تتعلَّموه هو أنْ لا تكبِتوا هذه الحالات والأحوال، هذه المشاعر أجمَع، أبداً. مَهما كان الحال إقبلوه، لأنه ببساطة هو الحال… هكذا هو الحال. إقبَلوه ودَعوه يأتيكم فيواجِهكم ويُلاقيكم. إنّ عبارة لا تكْبِتوا هذه الحالات والأحوال هي عبارة ليست بكافية. فإنْ سَمَحْتُم لي، سوف أقول لكم، بأنْ صادِقوا هذه الحالات والأحوال… هذه المشاعر والأحاسيس.

 osho420

أتشعُر بالحزنِ الآن؟ صادِق حُزْنَك وصاحِبهُ. إمنَحْهُ رَحمَةً وكأنك تُهديه وردةً. للحُزنِ أيضاً كيان، فلتسمَح له بأن يكون. رحِّب به، عانِقْهُ واجلِس معه. ضَع يديْكَ في يديْه. كَن وَدوداً. كُن مُحِبّاً عَطوفاً سَموحاً. إنّ الحزنَ جميل. لا شيءَ في الحزنِ سَقيم. مَن ذا الذي أخبركَ بأنّ في الحزنِ ما لا يَليق؟ الحقيقة تقول بأنّ وَحدهُ الحزن يمنَحُ الإنسانَ بُعداً ويُهديهِ عُمقاً. ويبقى الضّحِكُ سطحياً، والسعادة عشوائية لا عمقَ فيها ولا أبعادَ لها. أما الحزن فيَغزوكَ متوَجِّهاً نحو العظام، نحو ا للّب مباشرةً في القلب. لا شيء يُبحِرُ في بحورِ الكيان أعمق من الحزن.

 

لا تقلق إذاً. صادِق الحزن وابقَ معه ولسوفَ يُصبحُ حُزنكَ شراعكَ يُوَجِّه سفينتك إلى الكنز الذي بداخلك… إلى لبّ قلبك، إلى أصلك، إلى مصدرك. سيغدو بإمكانك امتطاء حزنك لتتعرف على بضعةِ أشياءٍ جديدة تتعلمها عنك، عن كيانك… أشياءٌ لم تعرفها من قبل… أشياءٌ ما خطَرَت على بالِكَ من قبل. أشياءٌ لا تتجلّى ولا تكشِفُ عن نفسها إلا في حال الحزن وحده. أشياءٌ يستحيلُ أن تبوحَ عن نفسها في حال الفرح والسعادة. الظلامُ جيِّدٌ أيضاً. الظلامٌ مقدَّسٌ أيضاً.

 

إنَّ مَن يَقْدِر على الصَّبْرِ برِفقةِ الحزن… إنَّ مَن يحزَن بِصَبْر، لسوفَ يجد ذات يومٍ سعادةً تشقُّ طريقها مُتصاعدة من أعماق قلبه. سعادةٌ مصدرها مجهول. والوجودُ هو ذلك المصدر المجهول. هي هديتك وهِبة الوجود لك إنْ طالَ صبْرُك على حزنكَ… إنْ كنتَ حزيناً بِحَق. هي هديتك وهِبة الوجود لك لو كنتَ يائساً فاقداً للأملِ بحَق… لو كنتَ مُحبَطاً، بائساً تعِساً. لو عِشتَ في جحيم… عندها يكون النعيم هديتك. قد دفعْتَ الثّمن.

 window rain

واجِهوا الحياة. قابِلوا الحياة وجهاً لوجه. وإنكم ملاقونَ على دروب عيْش الحياة الصعب من اللحظات، إلا أنكم سوف تجدونَ أنّ الصعب من اللحظات قد التقاكم لأجل أن يمنحكم قوةً. قد أهداكم قوةً لأنكم واجهْتم هكذا لحظات. قُدِّرَ لهذه الأوقات الصعبة أن تكون. قُدِّرَ لكم أن تواجِهوها وتلتقوا بها. لحظاتٌ صعبة هي، قاسية وأنتم فيها تعبُرون. عاجلاً أم آجلاً سوف تروْنَ أنها كانت سبيلكم الذي هداكم إلى وِحدتكم من داخلكم وتوَحُّدكم. بدونها ما كنتُم لتجِدوا مركَزاً، شاهداً ساكِنا ً… أرضاً صلبةً في داخلكم.

 

عَبِّروا عمّا به تشعرون ودَعوا التعبير يكون رفيق دربكم في الحياة. حتى وإن قُدِّرَ لكم أن تعانوا بسبب ما تعبِّرون عنه وبه تبوحون، فلتُعانوا. لن تكونوا من الخاسرين أبداً. هذه المعاناة ستكون دافعكم لأجل مزيدٍ من الإستمتاع بالحياة، مزيدٍ من الإحتفالِ بالحياة.

أوشو المستنير الحبيب

احتفال من قلب وحال بشار



المكتبة - تنويه هام
Designed & Hosted by CoolesTech