أنت الآن تقرأ في قسم: إنسان, جنّة الروح

أوشو، الموسيقى إبنة التأمل

أوشو، الموسيقى إبنة التأمل

لا علاقةَ للموسيقى بالبيولوجيا. لا علاقةَ للموسيقى بكيمياء الجسد ولا بالجسد نفسه. الموسيقى حتى لا تنتمي إلى عالَم العقل. إنما الموسيقى مساحة موجودة بين العقل والتأمل. الموسيقى هي واحدة من أكثر الحالات غموضاً وخفاءاً في الوجود. يستحيلُ عليكَ أن تَقْرَبَها بأسلوبٍ فكري تحليلي لأنها تتجاوز العقل. ورغمَ أنها تتجاوز العقل إلا أنها لم تبلغ جِنان التأمُّل بَعد.

 

للموسيقى قدرة على أن تصبحَ تأمُّلاً، كما أنّ لها القدرة على أن تتوجّه إلى أسفل فتصبِحُ عقلاً. حينها لن تكونَ أنت سوى مُحترف يعزف الموسيقى ولن تكون عازفاً. لعلَّك تعزفُ على جميع الآلات ببراعة ومهارة دون ارتكاب أيّ خطأ، ومع هذا تبقى مُحترِفاً لا عازفاً. أنت ماهرٌ في تقنية العزف إلا أنّ العزفَ لا يولَد من قلبك، لا يحملُ طَعْمَ كيانك. عزفُك ليس سوى معرفتك.

 osho309

للموسيقى قدرة على التحليق أعلى وأعلى صعوداً إلى أعلى مُحَلِقةً بعيداً عن العقل، حينها تقترِبُ الموسيقى من السلامِ، من الصّمتِ أكثر فأكثر. إنّ الإنسان لن يكون موسيقاراً إلا بعدَ أنْ يفهَم صوت الصّمت. ومَن يفهم صوت الصّمت يكون قادراً على خَلْقِ أصواتٍ تُحاكي الصّمت وتُشبِهه. إنه العمل الأكثر إعجازاً وغموضاً في الوجود. هكذا يبلغُ العازفُ نشوة حاله وقمّة إزهاره. هكذا يفتح عالَم التأمل أبوابه بعد عبور أعتابِ هكذا موسيقى.

 

لأجل هذا السبب تقولُ أقدم المصادر في الشرق القديم بأنّ الموسيقى إبنة التأمل، إذ استمتع مَن سكنَ محراب التأمل، بالصّمت العتيق المَهيب يصْدَحُ في زواياه، وعَشِقَهُ، فأرادوا إبلاغ البشر بأنهم أعظم مما يظنّوا أنفسهم، بأنهم وِسع المدى، بأنهم عالمٌ أكبَرُ انطوى، فكيف يُخبِروهم بهذه الحقيقة؟ ليست الكلمات سوى مفاهيم فلسفية فقيرة وعاجزة. ليست الكلمات سوى شبيهة للمتسوِّلين. الكلمات لا تمْلِكُ شيئاً حقيقي حتى تقوله وتبوح به.

 

هكذا بحثَ المتأمِّلون القُدامى عن طريقةٍ يشرحون فيها حال السّلام الذي يعيشوه. حالُ الصّمت والنعمة الذي بهِ ينعَمون. هؤلاء هُم البشر الذين اكتشفوا الموسيقى. الموسيقى ليست سوى إبنة التأمُّل.

 

دَرْبان مُتاحان للمسير. إما التوَجُّه من التأمُّل إلى الموسيقى تعبيراً عَمّا تحياه. تعبيرٌ بديعٌ عمّا تختبره. وإمّا التوَجُّه من الموسيقى إلى التأمُّل لأنّ الموسيقى تصعدُ بكَ عالياً من التأمُّلِ أقرب وأقرب حيثُ تصبحُ الموسيقى صَمْتاً عميقاً، تذوبُ الأصواتُ في قلبِ الصمت، تخلِقُ الأصواتُ صَمتاً أعمق من أيِّ صمتٍ اختَبَرْته في حياتك. عندها أنتَ من التأمُّلِ أقرب.

 

لا تَشْغَلُ الموسيقى ذات المكان الذي يَشْغَله الجنس على الرغم من وقوع الموسيقى الحديثة في الغرب وقوعاً سحيقاً بحيثُ اقتربَت من المكان الذي يرقُدُ الجنس فيه جداً. وحدها هذه الموسيقى هي التي يتمُّ تقديرها في الغرب. الموسيقى التي تُحَفِّزُ الشهوة الجنسية فيك. الجنسُ هو أدنى مستوى تتواجدُ عليه طاقة حياتك، وإن كانت الموسيقى تُحَفِّزُ شهوتك الجنسية، فطبيعي أنّ عليها الوقوع إلى مستوى الطاقة الجنسية.

 

الوعي الكوني هو أعلى مستوى تتواجدُ فيه طاقة حياتك. والموسيقى عندما تلامسُ وعيك الكوني، تُحَفِّزُ فيك مصادرَ مَجهولة، سماوات غير مَعلومة. عندها تصبحُ أبواباً يطلُّ الإلهي المقدس عليك منها. كما أنّ بإمكانها أن تكون أبواباً يطلُّ الحيواني عليك منها. الإنسان ليس سوى جِسر للعبور. الإنسانُ جِسر بين الحيواني والإلهي. لا تبني منزلك على الجسر لأنّ الجسور لم تُصنَع كي تُبنَى المنازلُ عليها. عليك بالعبور من الشاطىء الحالي إلى الشاطىء البعيد.

أوشو المستنير الحبيب

احتفال من قلب وحال بشار



المكتبة - تنويه هام
Designed & Hosted by CoolesTech