أنت الآن تقرأ في قسم: أكوان, عبير الحياة

براندون وِست، إجلس حتى يهدأ العالَم

براندون وِست، إجلس حتى يهدأ العالَم

إجلِس إلى أن يهدأ العالَم. هناك مقولة لرجُل يُدعى بلييز باسكال، غالباً ما يستخدمها واين داير، تقول: “إنّ جميع مشاكل البشرية تتفرّع من عَجز الإنسان عن الجلوس في صمتٍ داخل غرفته بمُفرَده”.

 

أليْسَت هذه الحقيقة؟

lake 

 

دائماً ما تتّخذ الأمور التي نحياها في الحياة منحىً ومساراً خاطئاً عندما نبدأ بالتدخّل بالنظام الطبيعي للأشياء. وحينما نتدخّل وتبدأ الأشياء بالإنحدار في مسارات عبثية خاطئة، يبقى حلُّنا هو الإستمرار في التدخُّل ومحاولة تغيير الأمور وإصلاحها بالقوة بواسطة إرادتنا نحن. نادراً ما يأتي هذا الأمر بثمارٍ نافعة لأننا وفي كلِّ مرة نُقحِم فيها أنفسنا في الحياة فإننا دائماً ما نحاول إصلاح مُشكلة بذات مستوى الوعي الذي خلَقَها من الأساس. وكما نصَحَنا آينشتاين وقال، بأنّ هذا الأمر لا يَفْلَح.

 

لذا فقد قدَّمْت طريقاً آخر، لا يُمكنني في الواقع القوْل بأنني مَن ابتَدَعَهُ بأيِّ شكلٍ من الأشكال لأنّ عُمرَهُ يعودُ إلى آلافٍ من السنين، وهو ما كان الحكماء والقديسين من كلِّ عصرٍ وثقافةٍ يدْعوننا لنمارِسَهُ منذ الأزل. إنّي أُسَمّيها: “الجلوس حتى يهدأ العالَم”. أو بكلماتٍ أخرى، الجلوس في صمت حتى تقوم كل مشكلة من مشاكلنا بِحَلِّ نفسها بنفسها.

 

لعلّك الآن تظُنّ باستحالة حدوث هكذا شيء. بأنك ولأجل أن تقوم بحَلِّ مُشكلة ما أو أن تقوم بأيِّ شيءٍ في الحياة، فعليكَ فعلُ شيء، أو القيام بعملٍ صعب. لكني بإمكاني أن أؤكِّدَ لك بأنّ الأمر ليس هكذا، وأنّك وإن حاولْتَ القيام بأيِّ شيء فإنّك على الأغلب سوف تزيد من تفاقُم المشكلة.

 

إنّ مفتاح الحياة الحقيقية هو أن تحيا الحياة من منطلق الهدوء الداخلي وعدم التعلُّق بشيء. ولأننا وحين نبحث عن السّكون الموجود داخلنا ونخلق مسافة واسعة بيننا وبين العالم المادي الزائل، عندها نبدأ بالعيْش من قلب حقلِ الوِحدة، حقل الوعي المُبدِع. والنتيجة لن تكون مزيداً من الإستمتاع بالحياة فقط، بل تغدو الحياة أنعَم وأسلَس وألطَف لأنها عُصارة التعبير عن ذاتنا الأبدية المُبدِعة التي تتجَسَّد في العالَم.

 

عندما نحيا في حالِ تَعَلُّقٍ وارتباط بالعالَم، نظُنُّ أنه علينا إصلاح كلَّ شيء، أنه علينا التدخُّل وإقحام أنفسنا، لكن هذا مِن عمَل الأنا. أما العيْش كسَيِّد الإبداع، كتَجَسُّد يتجسَّد، فهو مختلف تماماً. أسياد الإبداع والتجسيد الخلّاق لا يعترضون طرُق الطبيعة وأساليبها، لأنهم يعرفون أنّ الواقع قد خٌلِق بواسطة أفكارهم وعواطفهم ورغباتهم، لذا يذهبون إلى مكان السّلام العميق داخل أنفسهم ويُصلِحون أيّ مشاكل في حياتهم وفي العالَم لكن داخلياً، من داخل أنفسهم من خلال إعادة التناغم ذبذبياً بين أنفسهم وبين مصدر النور، الوجود.

 

من خلال هذا التحوُّل الداخلي والذهاب إلى ذلك المكان المُفعَم بالصّمت داخل أنفسهم حيث لا إلهاء ولا تشويش، بل الوعي الصافي، يصبحون وعياً صافياً فتتناغم أفكارهم وعواطفهم عفوياً وطبيعياً. عندها يتنَحّون ويسمحون للخَلق أن يفعل ما يفعَله طبيعياً: أنْ يعكِس عالمنا الداخلي على مرآة هذا العالَم.

 

نحن نعكِس الكون عندما نكون في صمتٍ وسكون داخلي. عندها تُشبَع جميع أحلامنا ونوايانا حينما نتوقّف عن التدخُّل.

 

تولَد المشاكل حينما نبدأ بالبَثّ والخَلق، لكن ننسى التوجُّه إلى دواخلنا ونعود لأنفسنا كما يفعل الكون، والذي هو بمثابة دورة طبيعية ومن طبيعة الوعي. ولهذا فإنّ الجلوس حتى يغدو العالَم هادئاً ليس فقط بالأمر المهمّ جداً لأجل القيام به، بل هو أمر له تأثير كبير جداً.

 

حينما نجلس حتى يهدأ العالَم، فإنّ العالَم يُصلِح نفْسه بنفْسه. مشاكلنا تختفي لأننا نفصِل أنفسنا عنها (نفُكّ الإرتباط بها ونخلق المسافة). ومن خلال الإنفصال التام عنها ودخول الصمت بداخلنا، فإنّ رغباتنا المتناغمة مع الكون تغدو ظاهِرة لنا. عندها، كلّ ما نحتاج فِعله هو أن نطيعها ببساطة لأننا حينما نشعر بهذه الرغبات النقيّة والتي تعكس بوضوح حقيقة مَن نكون، يصعُب علينا تقديرها بأي شيء سوى بفَهم أنها “يا لروعتها، كيف أني لم أرى بهذا الوضوح قبلاً؟”.

 

في حياتي، عندها أجلس إلى أن يهدأ العالَم، أكتشفُ بأنّ كلّ ما عانَيته من خيبة أمل وإحباط طوال الوقت لم يكُن شيئاً سوى نتيجة مقاومتي لفِعل الخَلق. أنا فعلُ الخَلق وكذلك حياتي. ولكني مجرّد مشارك في الخَلق، كما نحنُ جميعاً، مرشدين للطاقات الكونية من خلال إدراكنا وفَهمنا. نحن لا نمتلك هذه الطاقات، نحن ببساطة نملُك القدرة على توجيهها عِبر ذواتنا فنُكَثِّفُها ونُرَكِّزها بعدسة النيّة التي نضعها فوق ما نرغب مهما كان، لأجل أن نَخلق ونُجَسِّد أيّ شيء بالمعنى الحرفي.

 

هذه المقالة هي رؤيا نابعة من أعماق كياني، وكلُّ شيء في حياتي باتَ خالياً من المشاكل بينما أقوم بكتابتها لأني توقّفتُ عن مقاومة طبيعتي. وأنا أؤمن بأنّ هذا يشرح بشكلٍ مثالي الرغبة الأصلية للحقيقة أجمع: الرغبة في الخَلق.

 

إنّ كلّ حلم من أحلامنا الفردية والجماعية ليس سوى أعمق رغباتنا في الخَلق أو المساعدة في الخَلق. إنه إيماني بأنّ الخَلق هو الشيء الوحيد الذي علينا القيام به على هذا الكوكب. إنه ما يملؤنا بنعمةٍ بلا حدود، بسلامٍ بلا حدود، بالإلهام والحماس والرِّضى والإشباع. وأيّ شيء آخر نقوم به ليس إلا مشاكل مُفتَعَلة تعترض طريق رغبتنا الوحيدة: أن نشارك في الخَلق ونستمتع بوِحدة الخليقة ونعيمها.

 

إنّ كلّ ما يفعله العدد الأكبر منّا في الحياة يأخذنا من أنفسنا في الأغلب ليُشَتِّتُنا ويُبعِدُنا عمّا يجري في دواخلنا. لكن ماذا إنْ كان هذا هو المصدر الأساسي لجميع مشاكلنا، في الحياة وفي العالَم؟ وكما لاحظ بلييز باسكال، ماذا إن كان بإمكاننا حَلّ كلّ شيء فعلاً من خلال الجلوس حتى يهدأ العالَم؟

 

قال واين داير بأننا عندما نجلس للتأمل في بادىء الأمر، “نكتشفُ كَم موحلةٌ هي عقولنا حقاً”. وهذا هو السبب الرئيسي الذي يتحاشى أغلبنا بسببه دخول التأمل من خلال اللهو بأشياء أخرى مثل التلفاز أو الإنغماس في الأكل واستهلاكه، وغيرها من مصادر الإلهاء. أؤمن بأننا جميعاً مذنبين بهذا التحاشي بطريقة أو بأخرى. لكنني هنا لأقول لكم بأنْ لا مشكلة.

 

إنّ النظر داخل نفسك سوف يكون صعباً وفوضوياً في بادىء الأمر، لكن إن جلَسْتَ لفتراتٍ طويلة كافية، فسوف يهدأ عالمَك ويسكُن. سوف ينضَح عالمُكَ بالسّلام والقدرات لأنك بلغْتَ مكاناً من الصّمت والهدوء والقدرة بداخل نفْسك، وعالمك سوف يعكس على مرآته هذا المكان.

 

والآن أنا أعرف بأنّ أيّاً ما يواجهني في حياتي، متى ما كنتُ في مشكلة أو في اضطراب أو توهان، فإنّ كل ما عليَّ فعله هو الجلوس حتى يهدأ العالم وسوف أرى بوضوح ما الذي يتوجَّب عليّ فعله بالضبط. المقال الذي كنتُ أقاومه سوف ينبع من داخلي كما نبعَ هذا المقال، وسوف أكتُبه فيختفي كلّ توتري وخيبة أملي. إني أجدُ تركيزاً جديداً، اتجاهاً جديداً وتواصلاً جديداً في كلّ مرة أجلس فيها حتى يهدأ العالَم، لأنني وحين أصبحُ هادئاً صامتاً في داخلي، أغدو الحقل المُوَحَّد لجميع الإمكانات ويتدفق الكون من خلالي كما أعلم أنه سوف يتدفق من خلالك أيضاً لأننا نتشارك ذات المصدر ولأننا واحِد.

 

إجلس حتى يهدأ العالَم.Namasté

براندون وِست

WakingTimes

ترجمة من قلب بشار



المكتبة - تنويه هام
Designed & Hosted by CoolesTech